شهدت تونس خلال الأسبوع الماضي أربع محاولات انتحار حرقا، آخرها ما قامت به فتاة في الحادية والعشرين من عمرها ومن مدينة قصر هلال الساحلية عندما أضرمت النار في جسدها لأسباب يقول المحققون إنها عائلية، وكانت مدينة سيدي بوزيد ودعت يوم الأربعاء الشاب خالد الزعفوري إلى مثواه الأخير بعد ان تم العثور عليه محترقا في منتزه مهجور.
وكانت موجة حرق النفس قد أطلقت شرارتها الأولى منذ أكثر من عام، وتحديدا يوم 3 مارس 2010، عندما بادر الشاب عبد السلام تريمش 30 عاما بإشعال النار في جسده أمام مقر بلدية المنستير الساحلية بعد أن تولى أعوان الأمن البلدي إزالة كشك صغير كان يمارس فيه تجارته البسيطة، غير أن تلك الحالة لم تلق اهتماما من وسائل الإعلام ولم تتسبب في ردود فعل تذكر، وفي أغسطس الماضي عرفت المدينة ذاتها إقدام محسن التليلي 40 عاما على إحراق نفسه أمام السوق المركزية احتجاجا على تردّي أوضاعه الاجتماعية.
وكانت تونس قد عرفت منذ بداية العام الحالي 2011 أكثر من 14 عملية انتحار حرقا وحوالي 37 محاولة فاشلة، وفي 71 ديسمبر 2010 قام الشاب محمد البوعزيزي بإشعال النار في جسده أمام محافظة سيدي بوزيد مما أجج انتفاضة شعبية أدت إلى إسقاط نظام زين العابدين بن علي يوم 14 يناير 2011.
وسبق لمستشفى الحروق والإصابات البليغة الذي أصبح يحمل اسم محمد البوعزيزي منذ منتصف فبراير الماضي، أن استقبل من يناير إلى أكتوبر 2010 أكثر من 280 حالة لمواطنين أقدموا على محاولة الانتحار حرقا مما يعني أن الظاهرة كانت متغلغلة في المجتمع التونسي قبل حادثة البوعزيزي.
وبدأت هستيريا حرق النفس تتخذ منعرجات خطيرة في تونس بعد أن انتقلت من سيكولوجيا الفرد المأزوم والمهزوم إلى سيكولوجيا الجماعة التي بدأت تمجده وتنظر إليه كحركة فعل ثوري نجحت في إسقاط ديكتاتورية بن علي، وكفعل حقق لمحمد البوعزيزي الخلود والشهرة والمجد.
ومن ناحية أخرى اتخذ حرق النفس صورة العمل الضاغط على الحكومة، واللافت للأنظار أكثر من أي عمل آخر، حيث يحظى بالاهتمام الإعلامي في الداخل والخارج، وكان مدير مركز للبريد بمدينة تطاوين الجنوبية قد حاول حرق نفسه ليفرض على الجهات المسؤولة الآن بنقله للعمل بمثل خطته في مسقط رأسه مدينة بنقردان وهو ما حدث فعلا، وحاولت إعلامية سابقة في إذاعة صفاقس المحلية الانتحار حرقا لتلفت انتباه وزارة الصحة إلى حالة زوجها المصاب بمرض عضال.
غير أن بعض محاولات الضغط قد تتحول إلى مأساة حقيقية عندما يعجز القائم بها عن تحديد درجة استعداد جسده للتعامل مع السنة اللهب.
ويعتقد أحد الأطباء المختصين أن بعض العمليات تنتقل من الهزل إلى الجد، فإذا بالسعي إلى لفت النظر يتحول إلى نهاية مأساوية.
ويبدو أن إحراق النفس أصبح أهم أداة للانتحار في بلد أكدت فيه الدراسات أن واحدا على كل ألف من مواطنيه يحاول الانتحار بسبب البطالة والإدمان، والأمراض النفسية والعجز عن مواجهة المجتمع، وكان ثلاثة من كبار الأطباء النفسانيين التونسيين أشاروا في دراسة علمية أن ؟؟ آلاف تونسي يحاولون الانتحار سنويا مما يجعل تونس على رأس الدول العربية في هذا الشأن المؤلم والمؤسف.