أربعة أوتاد خشبية نصبت لتقف فوقها لتحميها من ملامسة الأرض.. وانتشرت من حولها العديد من الكتل الخشبية... اقتربنا منها لنتأملها عن قرب.

إنها منطقة أبي روف على ساحل نهر النيل الخالد، المنطقة التي اشتهرت بصناعة المراكب الشراعية التقليدية القديمة، التي تشكل لأهل أبى روف حرفة رئيسة توارثوها أبا عن جد، تبدأ الصناعة بجلب الأخشاب من شجرة السنط التي كانت منتشرة في منطقة مقرن النيلين، خاصة ما يعرف بغابة السنط، وهي موجودة حتى الآن في المقرن.

وتعتبر صناعة المراكب الشراعية يدويا من المهن الشاقة جدا، وتحتاج إلى مهارة عالية، فابقترابنا من العم حسين نصر الذي بدأ يحكى لنا عن بداياته مع هذه المهنة: «ورثت مهنة صناعة المراكب عن آبائي وأجدادي، قضيت في هذه المهنة أكثر من نصف قرن من الزمان، لا اعرف في هذه الدنيا الا صناعة المراكب، وعمري الآن يزيد عن الخمسة وسبعين عاما بشهور»، ويضيف: «المراكب تعتبر جزءا من تراث السودان الذي يستلزم الاعتناء به؛ لما تمثله من شكل جميل للبلاد... وترتبط صناعة المراكب بسكان الجزر والصيادين..

وإذا توفرت المواد الخاصة بتصنيع المركب فما بين ‬25 يوما - شهر يكون المركب معد للانطلاق عبر النيل.. وان كان تصنيعها أصبح مرتبطاً بالطلب الذي يسير نحو التناقص..وتعتبر من المهن الشاقة التي يرى فيها العم حسين انها كانت السبب في محافظته على عنفوان الشباب رغم تقدم العمر به.

 

منافس جديد

صحيح أن صناعة الفلوكات التي دخلت البحر بمثابة منافس قوي لمراكب الخشب، خاصة وانها تعمل بنظام الماكينة، ولا تحتاج لبذل جهد، وانتشرت هذه الفلوكات في البحر، وأصبح الطلب عليها كبيرا جدا، لكن صاحب المهنة العريقة العم حسين نصر يرفض أن يجد مراكبه الخشبية تذوب في حداثة الصناعات الحديدية، ويعتبر المراكب الحديدية اخف وزنا، ولا يمكن أن تكون متينة مثل مراكب الخشب، وهي كما يقول العم حسين: ليست بأفضل من الخشبية، خاصة وان الصيادين يفضلون المراكب الخشبية.

وفى ضفة أخرى من النيل تزدهر صناعة المراكب الحديدية التي تساوى الخشبية في سعرها، الذي يتجاوز الألف دولار، غير ان الحديدة لا تتعدى صناعتها الثلاثة ايام، وسيطرت على سوق المراكب، غير ان الشاب يسري يرى أن زمن المراكب الخشبية ولى، وأنها أصبحت تراثا لا يجاري حداثة اليوم، ويضيف يسري أن صيد الأسماك هو العمل الوحيد الذي يحدد جودة المراكب.

إلا أن المراكب المصنوعة من الحديد بجانب صيد الأسماك أضحت وبفضل سرعتها تعمل على نقل الناس، بهدف السياحة، ويرى «يسري» وهو صانع فلوكات حديدية ان زمن المراكب الخشبية انتهى، ولم تعد ذات فائدة الآن» ويذهب إلى «ان المراكب الخشبية دائما ما تسرب الماء إلى داخلها، حتى لو كانت جديدة»، ويقول: «ان مراكبهم الحديدية مميزة جدا، وتعمل في مجال السياحة ونقل الناس لسرعتها»، ويعتبر حديث العم حسين نصر ليس واقعيا.

 

عوضية للأسماك

وعلى مقربة من صناعة المراكب تشتهر منطقة الموردة بمدينة امرمان بسوق الأسماك، الذي أصبح موردا رئيسا للأسماك، وترى عوضية صاحبة إحدى المحلات أن المراكب خشبية أو حديدية ذات الحجم الصغير، لا تشكل مصدرا لجلب الأسماك، بخلاف ما كان في الماضي، وتضيف:

«ان المراكب التي تراها في هذا النيل هي صغيرة الحجم خشبية أو حديدية، ولا نعتمد عليها كثيرا؛ لانها لا تجلب كميات كبيرة من الأسماك، والسمك الذي يأتي من هذه المراكب دائما لا يأتي من نوع واحد، وإنما أنواع كثيرة، وهذا غير مرغوب عند المحلات التي تفضل نوعا واحدا من السمك».

صراع الحياة

صراع من نوع لطيف على ظهر هذه المياه، ما بين المراكب الخشبية التقليدية القديمة، والمراكب الحديدية الجديدة، غير أن الحكم الأول هو الإنسان في كل الحالات.. فيما يفضل..المراكب ذات الألواح الخشبية.. ام هذه الحديدية التي يرى فيها الكثيرون انها اخف وزنا من تلك.. ولكن لكل ميزاته في صيد الأسماك.

لكن يظل الارتباط بالمراكب الشراعية واحدا من دلالات احترام الشعوب لموروثاتها، وان دخلت عليه الحداثة كمنافس يهدد وجوده.