رغم تقدم العصور، فإن هذه المهنة مازالت باقية، تمارس عملها دون تأثر واضح بأي وسيلة أخرى أو بأي تقدم عصري.. «الخاطبة» مازال يلجأ إليها العديد من الناس، واسمها مازال يتردد في بيوت كثيرة وعلى ألسنة الكثيرين، خاصة في الوقت الراهن الذي تضاءلت فيه معدلات الزواج، لتلبي لهم طلباتهم بسرعة..
لكن هل الخاطبة حقا تساعد في حل أزمة العنوسة؟ وما أكثر الشروط التي تسمعها من زوارها من الجنسين، وهل تجد صعوبة في توفير هذه الشروط، وكيف تجدها.. ولماذا صار بعض الرجال يمتهنون هذه المهنة؟.. أسرار وتفاصيل تستعرضها «الحواس الخمس» عبر السطور التالية:
الخالة أم ضحى.. كما يناديها البعض، 58 عاما ؟ تعمل «خاطبة» منذ أكثر من عشرين عاما، روت تفاصيل أسرار هذه المهنة، وكيف دخلتها من البداية، ولماذا تسمى هذه المهنة بمهنة الخير رغم أن الخاطبة تأخذ أجرها كاملا إذا تمت الزيجة.. تقول أم ضحى «دخلت هذه المهنة عن طريق التوريث، فوالدتي كانت تعمل خاطبة أيضا، وكنت أراها تهتم بهذه المهنة كثيرا، وتفقد الكثير من وقتها من أجل تزويج الكثير، لذا أحببت هذه المهنة، وتعودت عليها، ورغم أن كثيرا من الناس يعتقدون أن اللواتي يعملن في وظيفة الخاطبة يكن غير متعلمات أو لا يحملن مؤهلات عليا- وهذا اعتقاد خاطئ- فإن معظم العاملات في هذه الوظيفة يحملن مؤهلات عليا، وأنا احمل مؤهلا عاليا، ولكن هذه المهنة هي التي أحببت أن أعمل بها..
وأضافت: «تقوم مهنتي على تعدد العلاقات، وبطريقتي التي تعلمتها من والدتي استطعت أن اقترب من الأسر التي لديها أبناء أو بنات في سن الزواج، وأستمع إلى مواصفاتهم التي يريدونها في الشريك الآخر، وأبحث عن هذه المواصفات هنا وهناك، وعندما أجدها على الفور أتمم الاتصال بين الطرفين، وعندما يتم الزواج أتقاضى أجري المتفق عليه من أهل العريس وأتقاضى أجرا آخر من أهل العروس، ويكون هذا الأجر وفقا لمستوى العروسين، فإذا كانا من مستوى رفيع، فيصل أجري إلى حوالي سبعة آلاف جنيه، أما إن كانا من ذوي المستوى المتوسط فيكون أجري حوالي ثلاثة آلاف جنيه، وإذا كانا من المستوى المتدني فيكون أجري حوالي خمسمائة جنيه.
وأوضحت أم ضحى أن عملها كخاطبة يتطلب منها أن تكون أمينة ودقيقة جداً عند إخبار أحد الطرفين بمواصفات الطرف الآخر، كما أنها تتعمد دائما عدم السؤال عن أخلاق وطبيعة العروس والعريس، وتقول «لأن هذه التفاصيل الدقيقة يتعرف عليها الطرفان في فترة الخطوبة، أما المواصفات الخارجية فهي التي أكون فيها دقيقة جدا وأنقلها للطرفين، مثل العمر والشكل والمستوى الاجتماعي ولون البشرة والاسم الثنائي فقط، وما إذا كان أحد الطرفين متدينا للغاية أم لا، وإذا قبل كل طرف مواصفات الطرف الآخر.
يبدأ العريس بتحديد موعد مع أهل العروس ليتقدم للخطبة بشكل رسمي، وإذا تم الزواج أتقاضى أجري، أما إذا فشل الزواج فأكرر البحث مرة أخرى عن شريك مناسب آخر لكل منهما، وتضيف: «الشيء الذي طالما لمسته من مهنتي كخاطبة أن النساء هن أكثر من يتقدم إلينا، أما الرجال فنسبتهم ضئيلة للغاية».
الأكثر طلباً
ورغم تعدد وتنوع الصفات التي يطلبها العروسان من الخاطبة، فإن هناك صفات تكون مشتركة بين طلبات الجميع، بل ثابتة وأساسية، وتقول «شوق» خاطبة 49 عاما «إن هناك بعض الفتيات يضعن شروطا أساسية مثل أن يكون الشخص المتقدم إليها حاصلا على مؤهل عال ويتقاضى راتبا عاليا أيضا، ولديه مسكن مناسب، ولكن هناك فتيات يضعن شروطا صعبة التوافر والإيجاد، فمثلا أجد فتاة في الخامسة والثلاثين من عمرها تطلب شخصا ثريا ومن عائلة كبيرة وتحدد أيضا مكان السكن في أرقى الأحياء في مصر، بل بعضهن يطلبن مهورا مبالغا فيها، ونفقات عالية للغاية.
وهذه الشروط نسميها تعجيزية، لأننا لا نعثر على هذه المواصفات التي تضعها بعض الفتيات للزواج، وفي هذه الحالة نحاول إقناع هؤلاء الفتيات، خاصة من تعدت الخامسة والثلاثين منهن، بأن فرص الزواج بالنسبة لهن تعد ضئيلة للغاية، لذا عليهن أن يتخلين عن هذه الشروط ويضعن شروطا أخرى طبيعية، حتى نتمكن من أن نحضر لهن الأشخاص المناسبين..
وتضيف شوق: «لكن الرجال معظم مطالبهم تأتي في نطاق الجمال، بمعنى أن أول صفة يطلبها الرجل في الشريكة التي يبحث عنها أن تكون جميلة، ومن أسرة طيبة وأن تكون مهذبة، والقليل جدا من الرجال من يطلب زوجة ثرية تنفق عليه، أو أن يكون لديها مسكن ليعيش فيه معها، وهذه المطالب ليست كثيرة حيث تقتصر فقط على القليل منهم.
وتشير أن هناك زوجات يحضرن إلينا ليخطبن لأزواجهن امرأة أخرى، ويكون هذا لأسباب عدة، إما أن تكون عاقرا لا تنجب وزوجها يريد الإنجاب، أو تكون مريضة مثلا، وهناك زوجات يحضرن ليخطبن لأزواجهن، لمجرد أنه يكون قد طلب منها ذلك، بل أحيانا يكون لديهم أبناء، وأيضا هناك بعض الفتيات يأتين إلينا ويطلبن زوجا مناسبا، حتى وإن كان متزوجا.
ربما كانت هذه المهنة قديما يلتحق بها النساء فقط، دون الرجال، بل لم يتوقع أبدا أن يمتهن الرجال مهنة الخاطبة، لكن الآن اقتحم الرجال هذه المهنة، فأصبحت غير مقتصرة على النساء وحدهن، بل شاركهن الرجال فيها، ومن بينهم منصور بكر الذي قال:
«عمل الخاطبة لا يقتصر على النساء وحدهن، لأن الرجال أيضا يمكنهم فعل ما تقوم به النساء، كما أن قيام الرجل بأعمال الخاطبة لا يعد جرما أو عيبا، لأن المهنة هدفها حلال، وهو تجميع زوجين متفاهمين، وهذه مهمة لا تقتصر على النساء وحدهن، كما أنها لا تتطلب النساء تحديدا، بل يمكننا القيام بهذا، كما أن هذه المهنة مجهودها قليل، حيث إن الشباب والشابات يأتون إلينا، ونحن نقوم بالتوسط بينهم، إلا أن المقابل المادي الذي نحصل عليه يكون مرتفعا»، ويضيف بكر «أشعر بسعادة بعد أن أقوم بتزويج بعض الأشخاص، وهناك من يقوم بدعوتي على حفل زفافه، وأذهب إلى هناك وأجد الفرحة تملأ وجوه الجميع، وهنا أشعر بأهمية وظيفتي كخاطبة».
الفتيات: من حقنا وضع شروط
تقول ك.أ 32 عاما: «هناك مفهوم خاطئ لدى الناس بأن أي فتاه تذهب إلى الخاطبة يوجد فيها عيوب، لذلك لم تتزوج حتى الآن، ولكن الفتيات اللاتي يذهبن إلى الخاطبة، يكون لديهن شروط لا يجدنها فيمن تقدموا إليهن، لذلك يذهبن إلى الخاطبة لتبحث عن هذه المواصفات»، وتضيف «الفتاة من حقها أن تضع كل الشروط التي تريدها دون أن تتغاضى عن شرط واحد من شأنه أن يفسد حلمها في الزواج، وعلى الخاطبة أن تنقل هذه الشروط بمصداقية ودقة، دون أن تهون منها أو تهول فيها، حتى تكون الأمور متضحة من البداية».
أما و.أ «30 عاما»، فتقول: «لماذا ينظر الرجال إلى شروط النساء، على أنها شروط مبالغ فيها، رغم أنها شروط عادية، لأن المرأة من حقها أن تضع أساسيات لهذا الزواج تضمن نجاحه، ويجب على المرأة عدم التهاون ولو في شرط واحد مهم، من أجل إتمام الزواج».
وتضيف «هناك فتيات يتنازلن عن شروطهن من أجل أن يتزوجن، والسبب في هذا هو إقناع الخاطبة لها بأن فرصتها في الزواج قليلة لأنها تعدت الثلاثين مثلا، وتطلب منها أن تتخلى عن بعض شروطها من أجل إتمام الزواج، وهذا خطأ لأن الفتاة عندما تضع شروطا للزوج الذي تريده، فمعنى هذا أنها تعلم جيدا أنها لن تستطيع العيش مع رجل إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط، وهذه ليست مبالغة، بل تقدير للذات».
الشباب يردون..
يقول حامد. ج «45 عاما» إنه تعامل أكثر من مرة مع الخاطبة، ومكاتب التزويج، وتزوج من فتاه منذ حوالي أربع سنوات، ولكنهما انفصلا نتيجة أن كلا منهما اكتشف صفات وخصالا في الآخر لا يحبها، ويستطرد: «إنني لا أرمي بهذا على الخاطبة وحدها بأنها عندما نقلت المعلومات لم تتحرَ الدقة، بل اللوم عليّ أيضا وعلى طليقتي أننا لم ندرس خصال بعضنا لبعض قبل أن نتزوج»، ويضيف قائلا «نحن لا نعترض على الشروط المعقولة، أو الطبيعية، ولكن إذا كانت الشروط مبالغا فيها، وفوق طاقتنا فلا نوافق عليها بالطبع».
أما ن. خ - 42 عاما، فيقول «معظم شروط المرأة مادية فقط، يبالغن في هذه الماديات، ولا أشعر أنهن يهتممن بباقي التفاصيل، فمعظم طلباتهن تنصب حول المهور والمسكن والمرتبات المرتفعة وهكذا، ورغم أن هذا حق من حقوقهن إلا أن البعض يبالغ فيه».
العنوسة وراء الذهاب إلى الخاطبة
أكد د. علي محمود، أستاذ على الاجتماع ؟ أن مؤشرات العنوسة في ارتفاع مستمر، نتيجة أسباب عديدة مثل الظروف الاقتصادية للطرفين، وهذا ما يجعل الفتيات يذهبن إلى مكاتب التزويج أو الخاطبة للبحث عن شريك مناسب للحياة، أما الرجال فيستعينون بالخاطبة من أجل الحصول على مواصفات لم يجدوها أمامهم، ويضيف: « الخاطبة أصبحت ظاهرة كل بيت، ويصبح بيت الخاطبة هو الحل الأخير لدى كل من يريد إيجاد شريك لحياته، ورغم تطور الحياة، وظهور وسائل تكنولوجية حديثة، إلا أن عمل الخاطبة لم يتأثر بهذا، بل مازالت تمارس عملها بشكل جيد بل متسع، وهذا بسبب نسبة العنوسة الزائدة التي لحقت بالمجتمع.
