في الأمس القريب، كان يُردّد بين الحين والآخر أن لبنان «يصدّر» الديمقراطية إلى بلدان العالم العربي.. لكنّ الأحداث العربية الأخيرة «عرّت» لبنان، وأظهرت واقعه بصورة أصدق وأكثر واقعية. هي صورة البلد الذي يسخّر حرياته الإعلامية في خدمة زعمائه وطوائفهم. وهي المغارة ذات «الأربعين حرامي»، حيث الفساد يضرب المؤسّسات الرسمية بجميع متفرّعاتها الموزّعة أصلاً على الطوائف وزعمائها بفعل المحاصصة.

فمنذ انطلاق الثورة الأولى في تونس، بقي لبنان يعيش على وقعه الخاص، يتخبّط في مخاض تشكيل حكومة جديدة، يتجاذب مقاعدها وحقائبها زعماؤه المتعدّدون، يحتكرون بعضها ويطالبون ببعضها الآخر باسم طوائفهم، وهو «حق» لا يكفله الدستور وإنما عرف يتوارثونه منذ نشوء الجمهورية الأولى..

فالساسة في لبنان لا يشعرون بأي تهديد، إذ «يحميهم نظام طائفي محكَم، وهم يدركون أن أي انتفاضة على ذلك النظام تستلزم انتفاضات على أكثر من طائفة، وأكثر من مؤسسة، وأكثر من زعيم، وهم بالتالي يستمدّون قوّتهم من تعدّدهم»، وفق قول الباحث في علم الاجتماع الدكتور أنطوان مسرّة لـ«البيان».. أما «القطبة المخفية»، بحسب رأيه، فـ«تكمن في كون الساسة يعلمون أن أي مجموعة طائفية هي أضعف من أن تنتفض على النظام بمجمله، طالما أن الزعيم يُسوّق لها على أنها مستهدَفة كطائفة».

 

صيحات في وجه «العلّة»

وعلى الرغم من ذلك، بدأت مجموعات من الشباب بتنظيم مظاهرات، يطالبون من خلالها بإسقاط النظام الطائفي، ويعتبرها البعض رمزية وغير فعّالة، بينما يرى فيها بعض آخر خطوة أولى يجب أن يُبنى عليها بجدية للتحوّل إلى دولة علمانية لا طائفية، ومنهم الشاعر شوقي بزيع الذي يرى أن «العلمانية الشاملة هي الأفق الوحيد للخروج من الطائفية».. أما الطبيب النفسي والباحث الاجتماعي الدكتور أحمد عياش.

فيشير إلى أنه «في غمرة الاحتجاجات والاعتصامات والانتفاضات الإصلاحية في العالم العربي، يحاول بعض الكتّاب والصحافيين والسياسيين الحلماويين في لبنان إسقاط أمانيهم ورغباتهم الواعية واللاواعية على مشهد إسقاط النظام الطائفي، وهم يعلمون أكثر من غيرهم أن الصيحات، ومهما ارتفعت، لن تغيّر من أنفس الكثيرين من الطائفيين داخل وخارج النظام.. وكان من الأجدى رفع شعار آخر يحقق الهدف بذكاء ومكر أكبر: الشعب لا يريد إسقاط النظام، الشعب يسأل فقط من أين لكم هذا؟».

وما بات معلوماً هو أن العديد من اللبنانيين ضاقوا ذرعاً بالنظام القائم، ولو لم يعترفوا بذلك علناً. ذلك هو على الأقل ما يتحدّث عنه اثنان من الباحثين السياسيين، هما الدكتورة فاديا كيوان والدكتور كرم كرم.

يجمِع الاثنان على أن النظام الطائفي هو علّة لبنان منذ تأسيسه، وأن الديمقراطية التي طالما ميّزته بين «أشقائه» ما هي الّا ديمقراطية مقنّعة.. ويبدآن من حيث وصلت إليه حركات التحرّر في كل من مصر وتونس والبحرين وليبيا واليمن، مؤكّدَين أن ما توصلت إليه كل من تونس ومصر ليس سوى التحرّر من أنظمتها الحاكمة، أما مسيرة هذه البلدان نحو تثبيت الديمقراطية فما زالت طويلة.

وفيما لا تخفي رئيسة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف فاديا كيوان أنها لم تكن تتوقع حدوث الانتفاضات العربية، لا بتوقيتها ولا بحجمها، وذلك على الرغم من أنها كانت ترفض النظريات الغربية التي كانت تنظر إلى الدول العربية كحالة استثناء بالنسبة لإرساء الديمقراطية، فإن الشعوب، بحسب الباحث في العلوم السياسية الدكتور كرم كرم، لم تكن للتحرّك بشكل واعٍ «لو لم تكن قد راكمت معرفة بوضعها ووضع المنطقة والعالم، على الأقلّ منذ مطلع الألفيّة. وهي، بالتالي، استخدمت المعرفة في قراءة واقعها من منظار نقدي واكتشاف حالتها، كما في مراقبة التغيير ووسائله في مجتمعات أخرى»، مؤكداً أن مسار إعادة البناء هو مسار متعثّر ومعرَّض لانتكاسات.

 

خطوات الحرية

أما كيوان، فتسجّل ملاحظتين حول ما حدث. فهي تعتبر، أولاً، أن تلك الثورات هي ثورات للحرية وهي تسبق الثورة للديمقراطية، بمعنى أنها تشكل تمهيداً لانفلات الآراء من القيود وأشكال القمع للدخول في نقاش سياسي حقيقي، وستتبعها منافسة بين نخب لإنتاج البرامج السياسية تمهيداً للوصول إلى الديمقراطية.

وتعتقد، ثانياً، أن تونس بدت أوضح في مسيرة تطهير الدولة من مخلفات نظامها السابق. بينما «نلتمس في مصر قلقاً أكبر لدى الفئات الثائرة على مستقبل الثورة من النظام السابق». كما تعتبر أن وضع دول الخليج يختلف عن مصر وتونس، لأسباب عديدة أبرزها: أهميتها الجيو- استراتيجية التي يفرضها النفط. كما أن الدول الخليجية تأسّست على يد أسر حاكمة «ما ربط كيان الدولة بدور الأسرة، الأمر الذي يعطيها مشروعية في تكوين الدولة».

 

موانع الثورة

يشدّد الدكتور مسرّة على أن «هناك أوجهاً بارزة موّحدة لأزمة الأنظمة التسلطيّة في الوطن العربي»، وأنه «لم يعد لتلك الأنظمة شيء تقدّمه لشعوبها. وقد أتت جميعها بمعادلات شبيهة تقوم على أمرين أساسيين: تكفّلها بالتحرير والنضال السياسي سواء في وجه المستعمر أو في وجه إسرائيل، وتكفّلها بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلد، في مقابل أن يدين لها الشعب بالولاء الكامل».

غير أن تلك الأنظمة، بحسب مسرّة، عجزت في كلا القضيتين، لاسيما في ما يخصّ الصراع العربي- الإسرائيلي. ويشير إلى أن «الشعوب العربية متراجعة في ميادين مختلفة، أبرزها مجالا العلم والتقدّم، وهو ما يقود إلى التثبّت من أن الأنظمة التي وعدت بالتحرّر أوقعت شعوبها في هيمنة من نوع آخر، لاسيما وأن سياسة الانفتاح الاقتصادي التدريجي لم يكن لها وقع إيجابي على الجماهير، ولم تعد بالنفع على الشعوب بل على الأنظمة وحكّامها».

ألا توصّف تلك الحالة الواقع اللبناني؟، يجيب الدكتور كرم والذي لديه توصيف مختلف للحالة اللبنانية يسمّيها «اللاوعي الجماعي»: «بالتأكيد نعم، فالصراع واحد والتأخر العلمي واحد، تماماً كما أن الفوائد الاقتصادية حتماً لا تعود للشعب»، ويضيف: «وعينا هو وعي طائفي مستزلِم.

وقد تمأسست الطائفية في النظام»، لافتاً إلى أن حركات التغيير في لبنان تصطدم بالحاجز الطائفي، على الرغم من أن اللبنانيين يبالغون بتقدير العامل الطائفي الذي لا يشكل سوى جزء من المشكلة، فـ«هناك مشكلة تضافر الزعامة مع المشروعية الدينية، وتضافرها في الوقت نفسه مع المشروعية السياسية. كما أن المواطنين غير الطائفيين لم ينتزعوا لهم مكاناً في المنظومة السياسية. ويضاف إلى ذلك عدم تأدية الطبقة البرجوازية دوراً للانتقال إلى الديمقراطية على غرار ما فعلته تلك الطبقة في المجتمعات الصناعية».

 

انفجار الشعوب

بدورها، تؤكد الاختصاصية في طب النفس العيادي مزيّن عسيران أن من خصائص الثورات «انفجار الشعوب العربية في وجه السلطات التي لم تعترف بوجود الشعوب على مدى سنوات طويلة، ولم تستمع إلى ما تريده»، لافتة إلى أن التظاهرات ضد النظام الطائفي في لبنان تملك إمكانيات النجاح «شرط إقناع الناس بأن الخدمات التي تقدّمها مؤسّسات الدولة العادلة هي أفضل بكثير من خدمات زعماء الطائفة».

وبالنسبة للدكتور في علم النفس في الجامعة الأميركية شارل حرب، من أهم مميزات الثورات العربية هو أنه ليس لدى أبطالها تاريخ من الصراع مع السلطة، ولا نضال طويل، كما أنها «ليست ثورات سلميّة على طريقة غاندي في الهند، وليست أيضاً في المقابل ثورات عنف مسلّح».

وعن انعكاس هذا الواقع على لبنان، يقول: «لن يتأثر لبنان بالاتجاه العربي الحاصل، بسبب انقسام شعبه بين فريقين، يحتشد كل منهم ضدّ الآخر فيما التغيير غير منشود». كما ان النظام الحالي لا يسمح بتشكيل قوى تغيير حقيقية على الرغم من أن «فكرة التغيير قد تسكن وجدان أي مواطن في كلا الفريقين، كما تسكن وجدان مواطنين غير مصطفّين».