تعيش الجزائر اليوم حالة فقر مدقع يقابله غنى فاحش. فمن الطبيعي أن يحدث الصدام... لا يوجد ما يفرق الواقعين المتناقضين... فالطبقة الوسطى سحقها الخلل المتنامي في المجتمع. وانضم قطاع واسع من النخب المثقفة إلى الطبقات الفقيرة، ففقدت بذلك هويتها ودورها في تنظيم وتأطير كفاح الفقراء، وصارت تكافح معهم وبوسائلهم لأنها جزء منهم. هذا ما قاله عمر بلهوشات مسؤول النشر في «الوطن» كبرى الصحف الصادرة بالفرنسية في الجزائر وهو يتحدث عن تراجع الطبقة الوسطى في بلاده.

و أكد وهو اقتصادي التكوين بأن «تلاشي الطبقة الوسطى كان نتيجة منطقية للإسراف في التوزيع المجحف للثروة، مع هيجان طبقة الأغنياء الجدد في العقدين السابقين ومعظمهم بنى ثراءه بفعل نفوذه في السلطة»،

أما عبد الناصر جابي الأستاذ الجامعي الباحث في علم الاجتماع فأكد أن من يفترض أنهم الطبقة الوسطى وهم في الغالب من المثقفين المتعلمين ينحدرون من فئات شعبية فقيرة، وبقوا فقراء... لدينا إذن فئات ثقافية فقيرة جدا، وبالمقابل لدينا دولة غنية ريعية.

المأساة هنا كما يقول إن الجامعيين والقانونيين والصحافيين والأئمة وغيرهم ممن يفترض أنهم يؤدون دور الربط والتواصل في المجتمع بمحاربة الفساد ونشر الفضيلة، ينحدرون من أوساط شعبية فقيرة في الغالب، وظلوا على حالهم، والمثقف يلعب دوره عندما يكون منتميا إلى الفئات التي حلت مشاكلها الاقتصادية، وأمام هذه المعادلة كانت النتيجة القابلية لتعاطي الرشوة ويكون المجتمع بلا راع.

وقال عبد المجيد بوزيدي الباحث والمستشار الاقتصادي السابق في رئاسة الجمهورية«كلما اتسع الفارق والهوة بين الطبقات الغنية والفقيرة، نقلص دور الطبقة المتوسطة، ما يجعل المجتمعات قابلة للانهيار والانفجار من الداخل«. وقال إن إعادة بناء الطبقة المتوسطة يحتاج وقتا ويحتاج أيضاً جهدا فكريا لأن الضرر كبير. واهم ما يدفع إلى تحقيق هذا الأمل هو العدول أولا عن السياسات الحالية ومباشرة التنمية على نطاق واسع وتطوير القدرات العلمية والتقنية ورسم سياسة اجتماعية وترقية التنمية البشرية.

ويرى أن الإصلاحات الجارية التي تقوم بها الجزائر فوقية ووقتية ولا ترقى إلى مستوى التأسيس لعوامل الاستقرار الاجتماعي.

الإحصائيات الرسمية في الجزائر أوردت أن عدد الاحتجاجات الجماهيرية التي سجلت العام الماضي بلغت ‬500 احتجاج موزعة على مختلف مناطق البلاد. واشتبكت قوات مكافحة الشغب مع المتظاهرين مئات المرات. وأفادت إحصائيات المجلس الاقتصادي الاجتماعي وكانت معظم الاحتجاجات ذات طابع اجتماعي تتعلق بالبطالة والسكن. وفي بداية العام الجاري اندلعت أعمال عنف شملت ‬42 ولاية بمستويات متفاوتة، خلفت سبعة قتلى برصاص قوى الأمن ومئات الجرحى ونحو ألفي معتقل. وسارعت السلطات لترقيع ما يمكن ترقيعه بإعلان تخفيض في أسعار بعض المواد الاستهلاكية وتخفيف الإجراءات الإدارية ورفع العمل بنظام الطوارئ، لكن الاحتجاج استمر.