قصص عديدة تروى تتشابه في وقائعها إلى أفلام التشويق الخيالية، ولكن قصة اختطاف سفينة «حنبعل2» تبقى قصة حقيقة تصلح أحداثها لفيلم هوليودي مشوق، فالحكاية بدأت يوم 11 نوفمبر 2010 ومرت بعدة مراحل محزنة ومأساوية، استمرت إلى فجر الأربعاء 22 مارس الجاري حينما حل طاقم السفينة في مطار تونس العاصمة قادمين من جيبوتي رافعين شعار الحرية ومباركين لتونس ثورتها على النظام السابق، وفي مشهد مؤثر اختلطت دموع العائدين من الموت بدموع أهاليهم في لحظات إنسانية تهز المشاعر وتعالت أصوات الزغاريد وهتافات ترمز للنصر، «البيان» كانت في استقبال أفراد السفينة لتسجل شهاداتهم وتوثق لحقيقة مؤلمة عاشها 23 بحارا تونسيا على مدى 127 يوما.
مأساة السفينة بدأت عندما أعترض قراصنة مسلحون من الصومال طريق السفينة «حنبعل2» بغرض اصطياد فدية ومقايضة صاحب السفينة فإما المال أو قتل ال31 بحارا الذين كانوا على متن السفينة ومن بينهم 23 بحارا تونسيا.
وبعد أيام من الاحتجاز سمح الخاطفون لقبطان السفينة التونسي فوزي الفرادي الاتصال بأهله وتوصيل رسالة إلى صاحب السفينة الذي يعيش في تونس مفادها أن السفينة أصبحت الآن في قبضة مسلحين والخيار الوحيد الذي أمامهم هو دفع فدية بقيمة 10 ملايين دولار، وهو مبلغا كبيرا لا يستطيع المالك أن يدفعه بمفرده فدخل صاحب السفينة فريد عباس في دوامة فأهالي المخطوفين حملوه كامل المسؤولية في حين رفعت الدولة يدها عنه وتركته يتخبط وحده وسط احتجاج شعبي وضغط إعلامي كبير.
يقول صاحب السفينة التي عادت في ساعات الصباح الأولى من يوم الأربعاء 23 مارس الجاري: عشت أياما صعبة منذ أن علمت باختطاف السفينة كما أن صلابة موقف الخاطفين وضعتني في مواقف لا احسد عليها فقد طلبوا مبلغا كبيرا لتحرير الرهائن وكانت تونس تعيش على وقع الثورة ولم يلتفت أحدا من المسؤولين على قضية الرهائن وقد كان أهالي الضحايا يلومونني على التأخير وبعد الثورة أخذت الحكومة الجديدة موضوع الرهائن بجدية وبدأت المفاوضات تجري مجددا لتخفيض مبلغ الفدية حتى وصلنا معهم إلى مبلغ وقدره 4 ملايين دولار، وقد انفرج الأمر بمجرد أن وافق الخاطفون على المبلغ وبدأنا في مرحلة التفاوض حول مكان ووقت التسليم وبالفعل حصل ذلك وتم تسليم كامل المبلغ للقراصنة.
وحول أن كان شعر ببعض القلق من أن يأخذ القراصنة الفدية دون أن يسلموا له الرهائن يقول عباس: كل شيء كان جائزا فلم تكن لنا أية ضمانات ممكنة ولكن توكلنا على الله ووافقنا على إكمال الموضوع للأخر حتى لا نسأل أمام الرأي العام وأهالي الضحايا الذين فقدوا الثقة بعد أن طالت مدة احتجاز أبنائهم. وحول ظروف تحرير الرهائن يقول وزير النقل والتجهيز ياسين إبراهيم الذي كان في استقبال أفراد السفينة المحررة : تحرير الرهائن كان بمشاركة تونسية فرنسية وعدة أطراف أخرى منها وزارة الخارجية والدفاع الوطني والشركة المالكة حتى نضمن أن تسير عملية التحرير بنجاح ومن غير ضحايا، والحمد لله كل شيء سار بطريقة صحيحة يبقى أن نعتذر لأهالي الرهائن بسبب التأخير الذي لم يكن بأيدينا.
وحول تفاصيل عملية تسريح الرهائن يقول الوزير:المفاوضات مع القراصنة توقفت العديد من المرات وآخرها كان انقطاع دام ثلاثة أشهر لم نستطع الحصول خلالها على أية معلومات حول القراصنة ويوم 3 مارس الجاري وصلنا إلى اتفاق مع القراصنة يفيد بتسليمهم قيمة الفدية مقابل تسريح الرهائن ووافقوا أخيرا على العرض، فقمنا بإرسال المبلغ المطلوب بطائرة مؤجرة إلى جيبوتي ومن ثم استخدمنا طائرة أخرى أوصلت المال الذي كان مربوطا في أكياس وألقيناه على ظهر السفينة وبعد أن عده القراصنة وتقاسموه سمحوا لقائد السفينة التونسي فوزي الفرادي بالذهاب مع كامل الرهائن إلى الساحل الصومالي ليجدوا هناك سفينة فرنسية عسكرية بانتظارهم وقد رافقتهم هذه السفينة إلى جيبوتي حيث وجدوا طائرة تونسية في انتظارهم على متنها صاحب السفينة السيد فريد عباس ومجموعة من الطواقم الطبية التي استقبلتهم وأعادتهم إلى أرضهم الحرة.
يقول والد البحار بلال السوسي الحاج محمد فقدنا الأمل مرات عديدة في عودة أبنائنا وكنا نجتمع دوريا لنقوم باعتصامات أمام وزارة النقل تارة وشارع الحبيب بورقيبة تارة أخرى حتى نوصل صوت أبنائنا لكامل أفراد الشعب التونسي، لأننا شعرنا أن الأحداث المتلاحقة التي عاشتها تونس الفترة الماضية خلال الثورة غيبت أبنائنا عن الواجهة الإعلامية.
وعن حقيقة وعد الرئيس السابق زين العابدين بن علي لدفع فدية الضحايا قبل أن يخلعه الشعب يقول الحاج محمد: كله كان كلام صحافة حكومية والحقيقة أن الرئيس السابق لم يقم بأي بادرة للإفراج عن طاقم السفينة وتركنا نتجرع مرارة الصبر بمفردنا وما زاد من خوفنا هو أن تطول أيام الثورة أكثر ويظل أبنائنا مغيبون عن الساحة فييئس القراصنة من دفع الفدية ويتخلصون منهم بالقتل لأنهم لن يقدموا لهم الطعام طوال العمر.
عودة المختطفين
أول القادمين كان عبد العالم والذي وجد خطيبته في استقباله عن الواقعة يقول: تخيل أن تعيش127 يوما تحت تهديد السلاح في مكان صغير ومظلم لا أكل لا شرب ولا حياة طبيعية تسمع لغة لا تفهمها وتتربص بك النظرات الشرسة فلا وقت لديك لتفكر في نفسك فقط تفكر في عائلتك التي تعلم أنها لا تنام ولا تأكل ولا تشرب فقط يفكرون في أبنهم المخطوف ويتساءلون عن حالته الصحية وإن كان حيا او ميتا هي مشاعر صعبة الوصف.
وإن كان اتصل بأهله سابقا يقول عبدالعالم: الهاتف لم يكن متاحا للجميع فالقراصنة كانوا يطلبون منا أن نضغط على أهالينا ليضغطوا بدورهم على الحكومة فتدفع لهم الفدية، وقد اتصلت بأختي في مناسبتين وكانت الدموع تغالبني وكنت أفشل في طمأنتها من أنني بخير لأنني لم أكن كذلك.
ويقول البحار عادل بالشيخ عشنا 127 يوما من العذاب النفسي والجسدي فقد كان القراصنة يستعملوننا كطعم لاصطياد سفن أخرى فيجبروننا تحت تهديد السلاح على مشاركتهم في عملياتهم القذرة، وكانوا يخصصون لنا وجبة واحدة في اليوم هي عبارة عن سمك نصطاده بأيدينا ويخصصون لنا خمس دقائق في اليوم الكامل للصلاة فنقوم بصلاة الجماعة ونجمع كل صلوات اليوم في الخمس دقائق تلك، كما يخصصون لنا دقيقتين فقط لكل شخص لدخول الحمام.
تركنا عادل بالشيخ فور أن التقت عيناه بعيني والدته التي ركض نحوها مسرعا فأكمل زميله لطفي الماجري الحديث معنا مضيفا: هذه الظروف جعلتنا أكثر صلابة وقوة ولحمة واحدة فمن النادر أن يعود الرهائن بعددهم الكامل فعادة يموت منهم بعض الأفراد بسبب الظروف الصعبة والوعكات الصحية وقلة الأكل والبرد ولكن كنا جميعا نتعامل مع بعضنا على أساس أننا عائلة واحدة ومصلحة واحدة فمجموعة تصوم يوما لتوفر الأكل للمجموعة الثانية التي تصوم في الغد لأن الأكل لا يكفي للجميع وكنا نترك الأولوية لأصحاب الأمراض المزمنة ولأي أحد يصيبه توعك صحي مفاجئ.
أطفالهم مسلحون
وحول هوية القراصنة يقول البحار زياد نحن لسنا متأكدين تماما من أن القراصنة يحملون الجنسية الصومالية ولكن عندنا شك في ذلك كما أنهم يعيشون على عمليات القرصنة تلك فيدربون أبنائهم الصغار على حمل السلاح والإبحار والسباحة حتى أنه من الطبيعي أن تجد أطفالا لم يبلغوا بع
وحول نوعية الأسلحة التي يمتلكونها يقول زياد: الأسلحة كلها خفيفة حسبما رأينا ولا نعرف من هي الجهة التي تمول هؤلاء بالأسلحة، كما أن الدول الكبرى لا تستطيع محاربتهم لأنهم يمتلكون مجموعة كبيرة من الرهائن من مختلف الجنسيات وهو ما يشكل عائقا لدى الدول الكبرى لمهاجمة القراصنة والقضاء عليهم، كما أنه لا احد يعلم من الذي يدربهم وكيف يقومون بتلك العمليات الدقيقة دون أن يكون لهم أي مستوى تعليمي يذكر.
وبالرجوع إلى يوم الواقعة يقول البحار ناجي بوسعيدي: حينما كنا مبحرين في خليج عدن لحمل سلع عادية اعترضتنا مجموعات مسلحة على قوارب صيد عادية واقتحموا الباخرة «حنبعل2» وتحت تهديد السلاح اقتادوا الباخرة بمن فيها على الساحل وأنزلونا من الباخرة وحجزونا في مكان مظلم وبارد وبدأت من يومها رحلة العذاب.
كيف تلقى المخطوفون خبر ثورة تونس وخلع الرئيس السابق يقول بوسعيدي: كان معنا جهاز راديو صغير وكنا نلتقط بعض القنوات الإذاعية التونسية وأهمها الإذاعة الوطنية ولقد أعلمنا أهالينا بذلك فأصبحوا يمررون لنا رسائل مشفرة عبر الإذاعة تفيدنا بأخر تطورات عملية المفاوضات مع القراصنة وتلك الرسائل كانت تأتي عبر مداخلات إذاعية يقوم بها أهالينا وكانت تطمئننا وتفتح لنا مجالا للتفاؤل.
وإن كان يجب تأهيل أفراد المجموعة نفسيا بعد المأساة التي عاشوها يقول الدكتور منذر الباجي وهي مختص في الإحاطة النفسية ورافق المجموعة لتونس: طبعا يجب أن نحيط المجموعة المسرحة برعاية نفسية لنخفف عنهم مأساتهم ونقلل من وقع الصور والمشاهد التي سجلوها في أذهانهم وهي رعاية تدخل في إطار الرعاية الصحية الجسدية لأن كل شخص منهم تضرر نفسيا طوال الـ127 يوما التي عاشوها تحت تهديد السلاح.
