ما يلبث ان يرخي الليل سدوله، وتطل خيوط الفجر معلنة عن صباح جديد، يصحو عبد الكريم من نومه في الساعات الأولى من الصباح، حتى يقف على تجهيز وتنظيف معداته من (جركانات وتمن)، المعدات، التي يحمل فيها اللبن،،يمتطي (حماره) ليجوب أرجاء العاصمة السودانية لتوزيعه على زبائنه المتواجدين في أحياء مختلفة، لا يمنعه من ذلك شدة البرد ولا ظلام الشوارع. «امتلك مجموعة من الأبقار في زريبة، مكان يستخدم لإيواء الماشية، في منطقة سوبا شرق العاصمة السودانية منذ العام ‬1978.

ويوزع اللبن في أحياء الصحافات، اركويت، والامتداد، وجبرة، ربطتني علاقة بهم امتدت لأكثر من أربعين عاما وحتى اليوم... ويضيف «احرص على توصيل اللبن في المواعيد المناسبة، وابذل مجهودا في تنظيف وسلامة،،الحليب،، من الأوساخ حتى يصل إليهم نقيا» هكذا يقول عبد الكريم.

أما حاج، بشير، سيد اللبن المشهور بأم درمان يقول «أصبحنا (دقة قديمة)، في إشارة إلى ان الزمن تجاوزهم، فالزبائن يتبعون التطور والتجديد، مثلا جئت احمل اللبن، بحماري، ويأتي آخر يبيع اللبن بعربته، بالتأكيد سيذهبون له، ولا يلقون نظرة على اللبن الذي يباع على ظهر الحمار ومع ذلك ظهرت الألبان المبسترة التي توفرت بصورة كبيرة وبأسعار مناسبة».

ويضيف «عملت في بيع اللبن قرابة الـ ‬15 عاما وكونت خلالها صلات مع كثير من الناس وكنت عندما تضع واحدة من زبائني مولودا أعطيها اللبن مجانا حتى تكمل الأربعين يوما، مما جعلهم أوفياء لي حتى اليوم بعد ما بدلت الحمار بالعربة..واذا غبت عنهم لظروف يسألون عني ويشاركونني الأفراح والأحزان.

 

ذاكرة

إبراهيم جمال الدين استاذ الثانوي يقول «سيد اللبن، اختفى من طرقات الخرطوم وظهرت الألبان الجاهزة بالعربات التي تتجول في اكبر الأحياء»... ويضيف «سيد اللبن، وجد منافسا في السابق واختفى من بعض الأحياء خاصة الراقية في فترة من الفترات بعد ان كانت هناك شركة اسمها كافوري فهذه الشركة يمر مندوبوها على المنازل صباح كل يوم، ويضعون زجاج اللبن على سور البيت ثم يأتون ثاني يوم ليأخذوا الفارغ من الزجاج، وعاد سيد اللبن مرة أخرى إلى الأحياء الراقية،وهذا ينطبق على عدد كبير من مناطق الخرطوم ومعنى ذلك ان هناك أجيالاً كثيرة لم تعاصر، سيد اللبن.

 

لبن مضمون

وتقول حاجة نفيسة الشيخ «يا حليل سيد اللبن فهو مضمون، أكثر من الألبان الجاهزة التي تباع بالعربة فهي مغشوشة ومعظمها (ماء) لأنهم يضعون عليه الثلج ليحفظه، وهو يكون في البراميل لساعات طويلة.وبالتالي يفقد قيمته ويصبح فاسدا».

أما «رقية الأفندي» فتقول ان «سيد اللبن يأتي باللبن في (جركانات صغيرة)، ويكون عنده عدد من الزبائن يوزع عليهم بسرعة لذلك يكون حليبه طازجا،مضمونا،كما انه يعرف الناس وصادق معهم وضميره لا يساعده على غش زبائنه».. وأضافت «حتى الآن هناك،،سيد لبن،، يتجول في بعض المناطق حتى في الأحياء الراقية بالخرطوم» ولكن صاحب العربة يحمله في براميل كبيرة وليس بالضرورة ان يكون من مزرعة واحدة حيث يقوم صاحب العربة بتجميع الألبان من مزارع مختلفة بالتأكيد تختلف جودة معداتها من الإناء الذي تحمل فيه ودرجة نظافته،لذلك لا يمكن ان نستبدل سيد اللبن الذي يحمله في حماره لأنه أكثر من مضمون.

وبالرغم من كثرة الإعلانات التي تروج للألبان المجففة والطازجة لبعض الشركات، إلا ان، سيد اللبن، مازال يتجول على الزبائن في منازلهم محتفظا بمكانته بين الحداثة والتكنولوجيا.