بعد ثورة 14 يناير في تونس تغير المشهد الإعلامي الرسمي تماما حيث تبين أن كل ما كانت تروج له وسائل الإعلام الرسمية والتي هي عبارة عن بوق للحكومة وتوجهاتها السياسية ما كان إلا مجرد تبييض لصورة لم تكن يوما بيضاء..
فقد كان الإعلام ينكر إنكاراً تاماً وجود طبقة فقيرة ويقول إنها لو وجدت فإن نسبتها لا تتعدى 4 في المائة ويقول إن نسبة الطبقة الوسطى تبلغ 81 في المائة من مجموع السكان، وبعد سقوط النظام اعترف رئيس الوزراء السابق محمد الغنوشي في مؤتمر صحفي في 27 من فبراير الماضي أن هناك 200 ألف أسرة ترزح تحت عتبة الفقر إلى جانب أكثر من 150 ألف أسرة لا يرتقي أجرها إلى المستوى المطلوب للعيش الكريم وهو عدد إحصائي أولي، والأكيد أن العدد أكثر من ذلك بكثير. فالعائلات التونسية كانت تقتات على ثلاثة موارد رزق أساسية وهي الزراعة والتجارة منذ القدم والسياحة بعد الاستقلال وقد كان المجتمع يعتبر أن التاجر والمزارع من أغنى أغنياء تونس وكانت مهنة الفلاحة مهنة أعيان البلاد بحكم أن تونس تعتبر بلدا زراعيا في الأساس والنشاط الفلاحي يُمارس من شمال البلاد إلى جنوبها مع اختلاف المحاصيل ونوعية النشاط وقد كانت الفلاحة تعتبر مورد رزق أكثر من 80 بالمائة من العائلات التونسية هذا بالإضافة إلى قطاع التجارة الذي كان يدر على ممارسيه أرباحا جمة.
ما بعد الاستقلال
وبعد الاستقلال سنة 1956 انفتحت البلاد على قطاع السياحة وأصبحت تونس من أكثر بلدان شمال أفريقيا جذبا للسياح الأجانب نتيجة للموقع الجغرافي المميز والآثار الرومانية التي تزخر بها تونس فأصبحت تستقبل سنويا 7 ملايين سائح، هذا بالإضافة إلى المراكز الصحية والاستشفائية التي تستقبل وفودا يومية من الشقيقتين ليبيا والجزائر. كل تلك الخيرات لم تستطع أن تنقذ أغلب العائلات التونسية من الفقر والبطالة. وبعد سنوات عديدة من التعتيم الإعلامي وإظهار تونس كبلد نموذجي برز محمد البوعزيزي الذي تمرد على وضعه وأحرق نفسه بسبب ما عاناه من قهر ففجر انتفاضة شعبية عفوية قام بها الفقراء الذين طحنهم النظام السابق وهمشهم ليقفوا أمام موجة من الانتهاكات التي مارسها عليهم أفراد عديدون من عائلة الرئيس السابق حيث استولوا على موارد رزق البلاد وجففوا منابع الخير بكل ما توفر لهم من قوة وسلطة.
يقول فؤاد بن سعيد أستاذ وخبير اقتصادي: إن تونس كانت تستطيع أن تقضي على آفة البطالة بصفة شبه كاملة لولا الفساد المالي للعائلة المالكة واستغلال نفوذهم وعدم دفعهم للضرائب بما أنهم أصبحوا يمتلكون أهم وأضخم المشاريع والمؤسسات والفنادق في الدولة هذا بالإضافة إلى تهديدهم لمصالح المستثمرين المحليين، كل تلك العوامل أفرزت انسحاب هؤلاء المستثمرين من الساحة الاقتصادية خوفا على مصالحهم المادية، كما صعّب على المؤسسات الحكومية المتخصصة مهمة استقطاب المستثمرين الأجانب، وهي كلها عوامل ساهمت إلى حد كبير في عجز متواصل لتخطي حاجز 5٪ للنمو الاقتصادي على امتداد العقدين الماضيين.
ويضيف محدثنا: ففي السنوات الأخيرة بدأت تونس تشهد عملية «إفقار للطبقة الوسطى» ولم يكن هناك أحد يجرؤ على تقديم أرقام صحيحة أو معلومات تعكس واقع تلك الطبقة التي حولها النظام إلى طبقة فقيرة غير قادرة على أن تعيش بكرامة، وتهاوت معظم الطبقات الوسطى لتصبح طبقات فقيرة يعيش أهلها على أقل من دولار واحد في اليوم، والأجر الأدنى المضمون حاليا في تونس يناهز 250 دولارا في الشهر، في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة وعدم توازنها مع تنامي الحاجات الاستهلاكية للمواطن التونسي وقدرته الشرائية. والثورة استطاعت أن تكشف النقاب عن معاناة أعداد كبيرة من الفقراء والمعادلة بسيطة جدا فكيف ستعيش عائلة بلا مورد رزق أو عائلة يعمل فيها شخص واحد بأجر بسيط في ظل الغلاء لأسعار المواد الغذائية والمحروقات والمعيشة بصفة عامة، ولسنوات عديدة لم نكن نرى في وسائل الإعلام إلا الوجه الأبيض لتونس بينما بينت الثورة أن هناك عائلات تعيش في العراء وغير قادرة على شراء الخبز حتى. وحول السبب في ذلك يقول بن سعيد: برأيي أن التوزيع غير العادل للثروة في تونس هو الذي أدى إلى احتقان الشعب التونسي.
تفاقم الموقف
ويرى نبيل خضير باحث اجتماعي: أن الإعلام التونسي كان مقصرا في حق الشعب ويضيف: في عهد الرئيس السابق كانت هناك وزارة كاملة للاتصال تعمل فقط على تبييض صورة تونس في الخارج وتصرف ملايين الدولارات فقط لتغالط الواقع كما كان يوجد ما يسمى بوكالة الاتصال الخارجي التي كانت تعمل على مراقبة الصحفيين ومنعهم من الوصول إلى المعلومة الحقيقية وتعاقبهم بالحبس والتضييق كلما حاول أحدهم أن ينشر تقريرا حقيقيا عن معاناة الطبقات الفقيرة في البلاد، كما ساهمت هذه الوكالة في تجفيف مصادر المعلومات لتكون وحدها القادرة على تقديم معلومات رسمية حول النسب الرسمية المعلنة.
هذا الإعلام تغيرت وجهته 180 درجة بعد رحيل الرئيس السابق فأصبحت كاميرا التلفزيون الرسمي تتجول في الأرياف والمدن البعيدة لتصور معاناة العائلات الفقيرة وترصد واقع أدمى أعين التونسيين كل تلك الصور تقابلها صور البنوك والشركات والمحلات التجارية والمؤسسات الإعلامية والصناعية التي هي على ملك العائلة المالكة والواقعة على المدن الساحلية والعاصمة، وتحررت الأقلام من الكبت وأصبح السباق الصحفي في تونس يقوم على فضح عائلة الرئيس السابق وتبيين حجم سرقات العائلة بالأرقام ولوائح طويلة بأسماء الشركات التي كانت على ملكهم دون أن يعلم الشعب ذلك، كل تلك المقالات المنشورة جعلت المتابع يفهم لماذا أصبحت هناك طبقة ترزح تحت خط الفقر المدقع في البلاد.
ويضيف محدثنا:إن العائلات التونسية كانت حتى عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة تعتبر من الطبقة الوسطى وأغلب العائلات كانت تمتلك الأراضي الزراعية وموارد دخل متعددة ولكن أساسها النشاط الفلاحي، وكانت أغلب العائلات تدرس أبناءها في الدول الأجنبية من باب التباهي والترف وقد تغير المشهد منذ أن أنقلب الرئيس السابق زين العابدين بن علي على بورقيبة والذي استطاع أن يستولي على مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون كما رفع سعر المواشي وأعلافها حتى أثقلت كاهل المزارع فاضطر إلى بيعها مجبرا، وفي قطاع التجارة رفع من قيمة الضرائب حتى بات من الصعب على التاجر أن يواصل أعماله فاضطر الكثير من التجار إلى بيع مالهم إلى أفراد من عائلة الرئيس الذين كانوا بدورهم يضعون أيديهم على أي مشروع تجاري ناجح فيخيرون صاحبه أما ببيعه بأبخس الأثمان أو بإنزال مصلحة الضرائب عليه، كما استولت العائلة على كل القطاعات الحيوية في البلاد وحولتها إلى مشاريع خاصة بهم دون أن تدفع أي مليم لمصلحة الضرائب وخزينة الدولة وهي الشيء الذي زاد من نسبة البطالة، كما أن الرواتب الحكومية لا تستطيع توفير العيش الكريم لأصحابها فيكفي أن نعرف أن الأستاذ لا يتعدى راتبه ال5 مائة دولار تقريبا في بلد يجب أن يكون دخل الفرد فيه أكثر من 1500 دولار شهريا.
ثراء فاحش
وتقول المحامية درصاف والي: إن العائلات التونسية تطالب اليوم بمحاكمة أفراد الثماني عائلات التي أفقرتهم فيكفي أن يتجول أي شخص على الشبكة العنكبوتية ذاكرا لقب إحدى تلك العائلات حتى تظهر تقارير مخيفة ومرعبة تثبت أن تونس تهاوت اقتصاديا بسببهم وأنهم السبب المباشر في الكوارث الإنسانية التي حلت بالعائلات التي لم تستطع شراء لقمة خبز واحدة وهذه العائلات هي الطرابلسي، بن علي، الماطري، لطيف، المهيري، بن مبروك، شيبوب، زروق فكل عائلة من هؤلاء يتعدى أفرادها الخمسين فردا استطاعوا بفضل قربهم للرئيس من الاستيلاء على ثروات البلاد وإفقار الشعب، واليوم هناك 11 مليون شخص تونسي يطالب الحكومة المؤقتة بأن تصادر كل أملاكهم وإعادتها للشعب ومن ثم محاكمتهم محاكمة علنية حتى يثأر الجياع لأنفسهم من عصابة النظام السابق.
وقد زاد ثأر الناس بعد ان رأوا بأم العين الخزانات المملوءة بالذهب والألماس والمال التي صادرتها الحكومة المؤقتة في واحد من قصور الرئيس المخلوع، وقد كان يكفي نصف تلك الأموال المصادرة من تشغيل أكثر من 100 ألف شخص وفتح مشاريع تنموية كبيرة في مختلف جهات البلاد.
