تآكل الطبقة المتوسطة في أي دولة يرجع بصورة رئيسة إلى التوزيع غير العادل للثروات وهذا ما نراه متفشيا بين الدول النامية التي مازالت شعوبها تبحث عن معادلة متزنة من الديمقراطية، أضف إلى ذلك ميلان كفة الفساد على حساب الاعتدال في الإنفاق والإيرادات ما يقسم الطبقة المتوسطة - التي هي في الأساس عماد نهضة أي مجتمع - إلى قسمين: قسم ينضم إلى الفئة النخبوية من المجتمع الغني وقسم ينحدر إلى الطبقة الفقيرة أو محدودة الدخل.
قال الإعلامي محمد سمير المختص في الشؤون الاقتصادية بالبحرين «إن ما تشهده المنطقة العربية من انزلاقها في غياهب الثوارت الشعبية ووقوفها على صفيح ساخن لا تحمد عقباه دليل على انسحاق الطبقة المتوسطة، ويمكن تشبيه ما يحدث على الساحة العربية في العصر الحديث إلى ما واجهته الدول المتقدمة في العقود السابقة خلال العقدين الثامن عشر والعشرين على وجه التحديد وثورات شعبوها ضد الأنظمة المستبدة وضد الأنظمة الاقتصادية الفاشية كالنظام الإقطاعي والاعتماد على الضرائب كمصدر أساسي لدخل الدولة، وبعضها ضد الاشتراكية».
وأضاف «الحل من وجهة نظري مرتبط بصورة أساسية في إعادة التوازن إلى مسألة توزيع الثروات على الشعب والحد من الفساد حتى يصبح كل مواطن أو فرد قادرا على العمل والإنتاجية ويملك وظيفة وبيتا يغنيه عن التسول أو الاحتجاج ضد أنظمة حكومته».
من جانبه قال الناشط الاجتماعي خالد موسى البلوشي إن إمكانية تحديد الطبقة الوسطى في الدول المتقدمة أكبر منها في الدول النامية وذلك بسبب وجود قواعد بيانات متطورة قادرة على إحصاء كل السكان ومستوياتهم الثقافية والداخلية، وإن أهم مشكلة تواجهنا لدى الحديث عن الطبقة الوسطى في أي مجتمع هي التعريف، فهناك بعض التعاريف المرتبطة بالمستوى الثقافي وبعضها الآخر يرتبط بمستوى الدخل ولكن الاقتصاديين والباحثين قد أجمعوا على أن الطبقة الوسطى في الوطن العربي تتألف من الموظفين لما تتمتع به هذه الفئة من مستوى دخل ثابت ولأنها الفئة الأوسع التي تضم أغلبية مثقفي المجتمع إضافة إلى الحرفيين وأساتذة الجامعات.
دخل جيد
وقال البلوشي «تعتبر الطبقة الوسطى عموما هي الشريحة الاجتماعية التي تمتاز بنسب تعليم عالية ودخل مادي جيد يساعدها على تجاوز الأزمات الاقتصادية التي قد تمر بها البلاد، والمحافظة على العادات والتقاليد والثقافة الموروثة أي إن هناك معيارين لتحديد الطبقة الوسطى، الأول هو نسب التعليم المرتفعة وهي الضمان لإمداد المجتمع بالمبدعين والكفاءات الشابة والمعيار الثاني يتعلق بالوضع المادي الذي يجعلها في منتصف الطريق بين دخل الفرد في الطبقة الغنية ودخله في الطبقة الفقيرة».
وأضاف «إن إعادة أحياء الطبقة الوسطى تتطلب إعادة إحياء دور القطاع الخاص ودور المجتمع المدني، وتغيير نظام التعليم لخلق الكفاءات المطلوبة في سوق العمل، ورفع أجور القطاع العام، وخلق المناخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يعزز مفهوم المشاركة والمواطنة من جهة ويربط المواطن بأرضه من جهة أخرى».
من جهتها أوضحت المواطنة البحرينية مريم فكري ان الأسباب الرئيسية وراء انسحاق الطبقة الوسطى في الوطن العربي كثيرة ومتعددة وتختلف بين بلدٍ وآخر فبعضها سياسي وبعضها اجتماعي، وأشارت إلى الطبقة الوسطى في جمهورية مصر العربية كادت أن تختفي بسبب فساد النظام ونهب ثروات البلد وحكر المناصب ذات الدخل العالي لفئة معينة من الناس.
وقالت فكري أن من أسباب تراجع الطبقة الوسطى اجتماعيا بسبب عزوف الكثير من عائلات الطبقة الراقية عن مصاهرة الطبقة الفقيرة أو المتوسطة، فبات الزواج في بعض المجتمعات يسمى بزواج المصالح أو زواج رؤوس الأموال، وفي الدول الفقيرة فإن سبب اختفاء الطبقة المتوسطة فيها هو الجهل وغياب التعليم الذي يصبح فيه انتقال المجتمعات إلى وضع معيشي مقبول يبدو صعبا أو شبه مستحيل في اغلب الأحيان.
وأكدت أن المجتمعات العربية تعاني من مشكلة حقيقية وبالتالي على الجميع من مثقفين ورجال دين وأصحاب قرار التكاتف لإيجاد الثغرات الحقيقية وتكريس جهودنا لسدها وللرقي بدولنا العربية للقضاء على هذه المشكلة التي تعتبر فيها المسؤولية جماعية ويجب أن نشرك فيها جميع الفئات لتكون عملية ناجحة وفعاله، فأصحاب السلطة يجب أن يعملوا على سن التشريعات والقوانين للحد من الفساد ويجب ان يكون هناك رقابة مالية على جميع إدارات ووزارات الدولة ويجب أن يكون هناك توزيع عادل للثروات ووضع حد أدنى للأجور.
ومن ناحية أخرى قالت فكري «يجب أن يتكاتف المجتمع وتتقارب الطبقات من خلال إخراج الصدقات ليس فقط في المواسم الدينية بل على مدار السنة، ويجب على رجال الدين توعيه الأفراد المعنيين بضرورة نبذ الفرقة وإسقاط شرط التوافق المادي في حالات الزواج ونشر التوعية الاجتماعية، كما يجب على حكومات الدول الاهتمام بشكل رئيسي على قطاع التعليم فكلما كانت نسبة الأمية منخفضة في الدولة كلما كان من السهل إدماج أفراد المجتمع في عملية إدارة عجلة التنمية والتحول من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة المتوسطة المنتجة والمستهلة في نفس الوقت. يجب علينا الإسراع في وضع الخطط والحلول للقضاء على هذه المشكلة قبل أن تتفاقم أكثر فأكثر ويصبح حلها والقضاء عليها أكثر صعوبة».
