قال الأمين العام للمؤسسة العربية للديمقراطية محسن مرزوق أن الشعوب العربية كسرت حاجز الخوف ولن تحكم بالاستبداد بعد اليوم وذلك بعد نجااح ثورتي تونس ومصر. ودعا مرزوق في حوار مع «البيان» من وصفهم بالنخب العربية إلى الارتقاء لمستوى تطلعات الشعوب مطالبا الأحزاب العربية أن تتجدد فكريا واستراتيجيا.
وشدد على إن المؤسسة العربية للديمقراطية الثورة تشيد بالمواقف البطولية للشعب الليبي ضد الهجمة الوحشية عليه من طرف قوات النظام الليبي ومرتزقته، وتؤكد مساندتها التامة ودعمها اللا مشروط للشعب الليبي وثورته ومطالبه المشروعة.
وحذّر مرزوق من خطر احتواء الثورتين التونسية والمصرية والالتفاف عليهما من قبل القوى الغربية الأجنبية وقال إن القوى الدولية تريد شعوباً خانعة وأنظمة ضعيفة لابتزازها وسرقة ثرواتها وحماية إسرائيل وإدامة هيمنتها، لذلك لابد من الحذر مشيراً في الوقت نفسه إلى أن محتوى الثورة الديمقراطية العربية، وطني وقومي ويجب ألا يخفى هذا المعطى الأساسي على احد.
وهنا نص الحوار الذي جرى في العاصمة القطرية الدوحة:
هل تعتقد إن العالم العربي دخل عصر الثورات الشعبية، أم أن حالة تونس ومصر ستظل استثنائية استثنائية؟
نعم. أعتقد أننا دخلنا مرحلة جديدة في وطننا العربي، يمكن تسميتها بالموجة الديمقراطية العربية، وهذه الموجة لن تقتصر على تونس ومصر بل ستمتد بأشكال مشابهة أو مختلفة، وفي كل الحالات يمكن القول إننا دخلنا مرحلة الانتقال الديمقراطي في المنطقة العربية من بابها الكبير، ففي بعض الدول الأخرى المهيأة لذلك، قد نشهد ثورات وفي أخرى نشهد إصلاحات، وبشكل عام لن يمكن حكم الشعوب العربية بالطريقة الاستبدادية السابقة بعد الآن.
إن تونس ومصر ليستا دولتين عاديتين بل لهما تاريخ وحضارة وإشعاع وتأثير وسيرجع صدى ما حدث فيهما على الجميع. لقد تحوّلت موازين القوى لصالح القوى الديمقراطية. والمهم الآن العمل على إنجاح التجربتين ليشكلا نموذجاً يؤكد أن إقامة النظام الديمقراطي هو الحل الأفضل لمشكلات المنطقة في مجالات التنمية والحرية وتقرير المصير.
وماذا عما يجري في ليبيا..؟؟
تؤكد المؤسسة العربية للديمقراطية مساندتها التامة ودعمها اللا مشروط للشعب الليبي وثورته ومطالبه المشروعة ،وهي تندد بالجرائم البشعة التي ترتكبها قوات النظام الليبي والتي بلغت حدا غير مسبوق من استعمال القوة الحربية ضد المواطنين المدنيين. وهي جرائم ضد الإنسانية يجب أن يحاسب عليها من أمر بها ومن نفذها.ولا بد للنظام الليبي من القبول بإرادة شعبه بالرحيل عن السلطة ووقف سفك الدماء.
الأنظمة لم تتعلم بعد
هل تعتقد بأن الأنظمة العربية الآن استفادت من الدروس المصرية ــ التونسية وستعمل على التغيير الحقيقي؟
نظرياً يمكن القول إن النظام الليبي وغيره لم يتعلموا من دروس ثورتي مصر وتونس شيئاً أبداً. وقد رأينا بعد ثورة تونس كيف أن مسئولي النظام المصري كانوا يقولون إن مصر ليست تونس. وها هي مصر بعد أيام من ثورة تونس تنجح في ثورتها العظيمة. فهل هناك من سيقول الآن إن بلده ليست كمصر؟ ــ أنظمة عديدة أخرى لا بد أن ترحل. وأنظمة أخرى لا بد أن تصلح من حالها فوراً ما دام الوقت يخدمها. ويجب ألا يعتقد أي نظام بأنه بعيد عن العاصفة «الجميلة ».
فمن غير المعقول في أوائل القرن الحادي والعشرين أن تبقى دول دون دستور أو برلمان ودون محاسبة للحكومات، وبحكم مطلق يقصي الشعوب من إدارة الشأن العام، إنها وضعيات ضد المنطق والتاريخ. وقد صارت الشعوب تعرف ما تريد خاصة منذ ثورتي تونس ومصر وصارت تعرف أنها قادرة على تحقيق ما تريد. فقد انكسر حاجز الخوف الذي يشكل أساس بقاء الأنظمة الاستبدادية.
في الدول التي لا يوجد ضغط فوري من المهم الاستباق. فالسياسيون دورهم يتمثل في الاستباق، في هذه الدول من المهم الدخول في حوار وطني مع النخب وخلق فضاء للاستماع وتبادل الرأي وإشراك الجميع في الشأن العام، إن حجة حداثة تكوين بعض الدول ليست منطقية، فالشعوب ترتبط الآن بوسائل الاتصالات ولديها طموحات ووعيها السياسي ينمو بسرعة. ليس من الضروري الشروع فوراً في إقامة نظام ديمقراطي، بل على الأقل إتاحة أشكال تمثيل وتنافس ودعوة الشعوب لإبداء رأيها من خلال الاستفتاءات مثلاً إضافة لإطلاق حياة برلمانية.
اختطاف الثورات
كناشط في المجتمع المدني هل هناك خشية الآن من اختطاف الثورتين التونسية والمصرية والالتفاف عليهما؟
نعم توجد مخاوف، فإسقاط ديكتاتور شيء وبناء ديمقراطية قوية ومستقرة وفاعلة شيء آخر مختلف تماماً. وإذا لم ننجح في تحقيق انتقال ديمقراطي واضح فمن الممكن جدًّا العودة للوراء. رغم أنني أعتقد بأن حالنا مستقبلاً لن تكون أبداً في تونس ومصر أسوأ مما كانت عليه في ظل سلطتي بن علي ومبارك.
ما هي الجهات التي تشكل برأيك الخطر على الثورتين؟ وهل يدخل في هذا التصنيف «الجيش» في كلتا الدولتين علماً بأن دور الجيش في الثورتين المصرية والتونسية كان مشرفاً؟
عديدة هي العوامل التي يمكن أن تعيدنا للوراء ومن أهمها عجز النخب على توظيف الثورة في اتجاه الديمقراطية. وربّما انقضاض قوى غير ديمقراطية على السلطة. كما أن الجيش الذي لعب ويلعب دوراً انتقالياً قد يضطر لتمديد دوره إذا عجزت النخب المدنية وغرقت في الخلافات والهوامش.
وهناك أيضاً الاتجاهات الشعوبية والمطالب المادية التي قد تعيق المسار الانتقالي السياسي، إضافة لمخاطر الفوضى.
كما توجد عناصر خارجية قد لا يكون في صالحها قيام ديمقراطيات قوية. هذه كلها عناصر يجب أن تنتبه لها القوى الديمقراطية وتتعامل معها بذكاء وحكمة وقوة من خلال العمل الجبهوي ووضوح البرامج والأجندات والتحالفات الإقليمية والدولية.
وكيف توصف الدور الخارجي وتحديداً دور الولايات المتحدة في الثورتين التونسية والمصرية وهل اختلف الأداء والموقف الأميركي في الثورة التونسية عن الموقف والأداء في الثورة المصرية؟
أعتقد بأن الأميركيين لم يكن لهم أي دور في الثورتين. فهما ثورتان شعبيتان داخليتان، من عصارة العبقرية والبطولة الشعبية في تونس ومصر. وقد حاولت الإدارة الأميركية الاستفادة منهما في العلاقات العامة. طبعاً بالنسبة لمصر فإن الولايات المتحدة مهتمة باحتواء الثورة حتى لا تؤدي إلى قلب العلاقات المصرية ؟ الإسرائيلية، وقلب موازين القوى بشكل نهائي لصالح قوى الديمقراطية والتقدّم العربية. ولكن أعتقد إن الوقت قد فات الآن. هناك تاريخ جديد يكتب في منطقتنا وستكون له نتائج بعيدة المدى لصالح شعوبنا وحقوقها.
هناك اتهامات بأن واشنطن تحديداً كانت مؤثرة في هذه الثورتين بشكل أو بآخر..ما ردّك على ذلك؟
أعتقد أن هذا الكلام غير صحيح وفيه إهانة لشهدائنا وشعوبنا، هل واشنطن هي من أمرت البوعزيزي بإحراق نفسه أو سالي لتستشهد؟ الشيء الوحيد الذي فعلته واشنطن أنها تخلت عن بن علي ومبارك لمّا اتضح لها أنهما انتهيا. وفي هذا سياسة براغماتية خدمة لمصالحها لا غير.
وما هو الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسة العربية للديمقراطية الآن وهل تعتقد أن مهمتها انتهت مع بدء الثورات الشعبية أم بدأت الآن؟
دور المؤسسة العربية للديمقراطية يبدأ الآن أكثر من أي وقت مضى وإذا لم تستطع أن تكون حاضرة وبقوة للمساهمة في تثبيت التجربتين الديمقراطيتين فبصراحة لا أرى ما سيكون دورها؟ فكما قلت سابقاً من الجوهري الآن بذل كل الجهود الممكنة لتنجح الثورتان ولتصيرا نموذجاً يحتذى.
البناء السياسي
قمتم مؤخراً بزيارة لتونس للاطلاع على الموضوع وإعداد تقرير حول مجريات الأحداث هناك. ما هي الخلاصة التي خرجتم بها؟
أنجز الشعب التونسي ثورته وأعلن أن الديمقراطية هي خياره. وما إن أنجز ذلك حتى تأخرت أغلبية النخب السياسية والمدنية المدهوشة أمام المعجزة الشعبية، وتفرّقت في تعريف مكاسبها وأهدافها، فتعطّل دورها الضروري في تحويل الهبّة الشعبية إلى نتائج ومؤسسات وبرامج عمل ترتقي إلى تضحيات الناس وطموحات المرحلة. وصارت المرحلة التي أعقبت هبّة 14 يناير بدون إطار سياسي عام يعرف مكاسبها بما يسمح بالدفاع عنها وضمانها ويحوّلها من اللحظة الثورية إلى مسار البناء السياسي الديمقراطي.
كما أن جواً قاتماً من التشكيك وغياب الثقة حوّل العمل السياسي إلى نوع من العلاقات الانفعالية التراجيدية قد يؤدي إلى تعطيل حوار النخب في سعي بحثها عن تسويات تجسّد مرحلة تقاسم السلطة الحالي بين جزء من النخب الحاكمة سابقاً والنخب المعارضة التي انتقلت للسلطة في الحكومة الانتقالية أو تتأهّب للمشاركة في السلطة لاحقاً بعد تنظيم الانتخابات الحرّة والمفتوحة.
ولحماية الثورة من الانتكاس وبعث روح الثقة في نخبها وجمهورها، لا بد من تعريف مكتسباتها أولاً والالتزام بها ثانياً وتثبيت آليات ضمان لها تحميها حاضراً ومستقبلاً.
ما هي أجندة المؤسسة الآن بالنسبة لتونس ومن ثم مصر؟
تختلف مسارات الانتقال الديمقراطي في تونس ومصر في نواحٍ متعدّدة ولكنها تشترك في الحاجيات الخمس التالية: إعادة بناء مشروعيات السلطة من خلال الإعداد للانتخابات الحرة وإنجازها وإطلاق الحريات الجماعية والفردية بكل أنواعها ومعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان (ومنها جرائم الفساد) من خلال لجان تقصٍّ للحقائق والمساءلة، ودعم قدرات المجتمع المدني لمصاحبة ومراقبة الإصلاحات وإصلاح مؤسسات الدولة خاصة القضاء والأمن وإعادة بناء المجتمع السياسي خاصة مكوّناته الحزبية.
مستقبل المنطقة
كيف ترى مستقبل المنطقة العربية والدور المنوط بالمعارضة العربية أحزاباً ونقابات في هذه المرحلة؟
مستقبل المنطقة العربية صار الآن حاضناً لمسارات تدعو للتفاؤل. ولكن هذه المسارات لن تكون إيجابية فعلاً إلا إذا ارتفعت النخب العربية إلى مستوى عبقرية وإبداع وتضحية والتزام شعوبها. على الأحزاب أن تتجدّد فكرياً واستراتيجياً. عليها أن تتجمّع في تكتلات قادرة على الحكم وأن تتفق على قواعد اللعبة الديمقراطية. عليها أن تدفن إلى الأبد المصالح والخصومات الفردية الحقيرة، عليها بكل بساطة أن تكون جديرة بالديمقراطية ومشاركة فعلاً في بنائها.
أما النقابات فعليها مسؤولية جسيمة. فهي على المستوى القصير يجب أن تلجم المطالبات الاجتماعية وقتياً حتى تفسح المجال لاستكمال الإصلاح السياسي المؤدي لقيام النظام الديمقراطي. أما على المستويين المتوسط والبعيد فعليها أن تضغط على النظام الجديد لكي لا تكون الليبيرالية السياسية على حساب التنمية الاجتماعية العادلة. يجب أن يكون للقادة النقابيين هذا الوعي وألا يستسلموا للشعبوية.
هل تعتقد أن ثورات التغيير الديمقراطي سيتم احتواؤها أميركياً وغربياً أم أنها ستحقق لشعوبها الديمقراطية والإصلاح السياسي والتنمية؟
ستحاول القوى الأجنبية احتواء هذه الثورات. خاصة ثورة مصر. لا بد من الحذر الشديد. القوى الدولية تريد شعوباً خانعة وأنظمة ضعيفة لابتزازها وسرقة الثروات وحماية إسرائيل وإدامة هيمنتها. لا بد من الحذر. محتوى الثورة الديمقراطية العربية وطني وقومي. يجب ألا يخفى علينا هذا المعطى الأساسي.
