الطبيعة زاهية في الجزائر هذه الأيام ويشاركها مئات الآلاف من العائلات الأفراح بالخروج إلى المروج والروابي عبر البراري الشاسعة، خاصة في منطقة الهضاب العليا. ويلتقي الكبار والصغار الذكور منهم والإناث في أيام الزهو السنوية، يتعارفون ويمرحون، ويتبادلون الأكلات التي تعد خصيصا لهذه المناسبة. في سطيف كما في البرج والمسيلة والعلمة وغيرها، تخرج العائلات يومياً منذ بداية مارس إلى مساحات خضراء منبسطة على مد البصر تستند إلى جبال مكسوة بالثلوج، وتتخللها وديان وجداول وغدران مملوءة بالمياه المتدفقة من المرتفعات رقراقة صافية باردة، كما لو أنها استخرجت للتو من براد. الأطفال يلعبون والكبار يحكون ما فات وينسجون توقعات عما سيأتي، يجري الحديث أحياناً ـ كما الحال هذا العام ـ على نعمة وفرة المياه من السماء جراء أمطار عمت البلاد وثلوج وفرت ضمان مخزون لا ينضب. ولا يخلو الحديث أيضاً عن تونس ومصر وليبيا واليمن والجزائر أيضاً... حركات وانتفاضات شعبية أحدثت التغيير وأخرى ستحدث بكل تأكيد كما يرى معظم الناس. ربيع هذا العام ليس ربيع الطبيعة فحسب، ولكن أيضاً ربيع الحريات، هكذا يراه الناس في الجزائر... ربيع التغيير الذي استأصل أنظمة مريضة ودفع أخرى تحت الخوف إلى إعلان تنازلات للشعوب... هو بكل المقاييس أجمل ربيع منذ عقود. في المساء تعود الجموع محملة بأزهار النرجس وشقائق النعمان والأعشاب البرية النافعة منظراً وذوقاً. فثمة نساء كثيرات، لاسيما المتقدمات في السن منهن، يحسن حتى الآن إعداد وجبات شهية نافعة للجسم، رغم ما تغير من عادات في زمن انخرط الجميع في عادات الرفاه أو سعى إليها. هذه خالتي جميلة كما تسمى في منطقة الحاسي قرب مدينة سطيف تحكي عن أكثر من ‬75 ربيعا تتذكرها، قالت إنها لم تفوت أي ربيع دون أن تخرج وعائلتها إلى المروج والحقول لملاقاة فصل الحب والجمال رمز الانتعاش والتكاثر والبقاء. كانت صغيرة تخرج مع الوالد والوالدة والإخوة، بعدها اعتنقت العادة وصارت تخرج مع الزوج والأبناء والأحفاد. عدد أفراد نسلها اليوم ‬33 بين أبناء وأحفاد وهي من أشرفت هذا العام على إعداد «البراج» الأكلة الشهية التي لا تفارق سكان الهضاب العليا في بداية الفصل الجميل. تصنع «البراج» من عجين السميد المحشو بالتمر المعجون وتطهى في «طاجين» على نار هادئة وتصبح بشكل قطع بشكل مربع أو معين. يتناولها الجميع مع الشاي أو القهوة الممزوجة بالحليب، ومعها أيضاً أجود أنواع البرتقال والتمور والبيض المسلوق. وأمثال خالتي جميلة كثيرات ينقلن خبرتهن في الحفاظ على التقليد الجميل وينقلنه بأمان إلى الأجيال.