يجلس الحكواتي في مواجهة الحاضرين، ويبدأ قصتّه بهدوء: «كان يا مكان في قديم الزمان».. أما المكان الذي اختاره منصّة له، طوال الأسبوع الفائت في المهرجان العالمي الثاني عشر للحكاية والمونودراما الذي شهدته بيروت، فكان قبو «كنيسة القدّيس يوسف» في شارع «مونو» في الأشرفية.. مع الإشارة إلى أن المهرجان اختتم أمس بــسمسابقة الكذّابين»، إذ اجتمع جميع الحكواتيّين مع بعضهم على الخشبة وتباروا في إطلاق حكايات «كذّابة»، قبل أن يودّعوا الحاضرين ويعِدوهم باللقاء العام المقبل.

فعلى مدار ليالٍ عدّة، وبإشراف الحكواتي اللبناني «العتيق» جهاد درويش، أخبر الرواة قصصهم للصغار والكبار على حدّ سواء في قبو الكنيسة الدافئ، إذ يتميّز فنّ الحكواتي بكونه مسرحاً لكلّ الأعمار، بحسب المسؤول الإعلامي في «مسرح مونو» نصري الصايغ.

ولأن هذا الفن يعتمد على عمليّة الارتجال التي تصبح أكثر إثارة بتفاعل الجمهور معها، حسب قول الصايغ لـ«البيان»، فقد «تواطأ الحكواتيّون، الجزائري سعيد رمضان والفرنسيان لوران ديكار وكاترين كايو واللبنانيان أحمد طيّ وسارة قصير، في ما بينهم للعمل على إبقاء الحضور في طور الاستمتاع الدائم حتى آخر لحظة من لحظات الحكايات، وتحويله من جمهور عادي إلى جمهور يمارس طقوس الحكاية من دون قصد».. علماً أن هؤلاء الحكواتيين ينتمون إلى «مدرسة الحكايات» التي أطلقها «مسرح مونو» عام ‬2004، ويديرها فنيّاً الحكواتي درويش، ما يعيد اللبنانيين كل عام إلى شكل خاص من أشكال الفُرجة، ربما كان الأقرب إلى موروث المشاهد العربي ومزاجه.

وباختصار، هي خطوة في اتجاه إحياء تقليد الحكواتي، كون «التواصل الشفهي، عبر الحكاية، هو بمثابة أوكسجين طبيعي للإنسان، وكل وسيلة أخرى للتواصل هي أوكسجين اصطناعي»، وفق قول مدير «مسرح مونو» الممثل والمسرحي بول مطر، الذي شدّد على دور الحكاية في تحريك مخيّلة المستمِعين، خاصة الصغار والأطفال منهم.

«صحّي الحكاية بتصحّيك»، عبارة للشاعر الفارسي سعدي الشيرازي يردّدها درويش، ليشير إلى أهميّة الحكاية الشعبيّة على المستوى التربوي، لكونها «تحمل خلاصة قيم المجتمع الذي تنبع منه»، مشدّداً على أن «أحد أهداف المهرجان خلق فسحة للّقاء بين الرواة من مختلف أنحاء العالم والتجارب، نظراً إلى قلّة محترِفي هذا الفن في مجتمعاتنا الحديثة».

وهكذا، تحاول «مدرسة الحكايات» إعادة إحياء طقْس حميمي يوشك على الانقراض، من خلال الاهتمام بجمع الحكايات من المناطق اللبنانية وتوثيقها، وبتدريب المهتمّين بهذا الفن، عبر ورَش دورية، ومن خلال المهرجانات التي تتمحور حول فنّ الحكاية. وإضافة إلى تكوين رواة جدد، تهدف المدرسة إلى نشر تلك الحكايات في كتب أو أسطوانات وتوزيعها على أوسع نطاق ممكن.