منذ بداية «ثورة ‬25 يناير» المصرية، وبدءاً مما كتبه المدوّن الشاب وائل غنيم على موقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك»، «كلنا خالد سعيد»، وصولاً إلى الخبر الذي تناقلته صفحات الموقع عن «تنحّي حسني مبارك»، بدا معظم شباب لبنان وكأنهم يعيشون على وقع يوميات مصر وثورتها.. يحلمون، يناصرون، يعتصمون، يناقشون «الثورة» في لبنان، ويتفاعلون عبر كل الشبكات الاجتماعية لحظة بلحظة.

ومنذ ذاك الحين، وصل دويّ صرخة الثوار في مصر إلى عيون شباب الـ «فيسبوك» في لبنان، المشدودة إلى هناك، إلى نقطة البداية، والأمل: «الشعب يريد إسقاط الرئيس»، آذنين بـ «يوم الرحيل»، وبات الجميع في صفحاتهم «مصريون»، بالدم والروح والقضية، فرفرفت الأعلام المصرية هنا أيضاً، وردّد الجميع: «الشعب يريد إسقاط الرئيس».. «مصري»، أعلن أحدهم، «عايزة روح ميدان التحرير»، قالت لبنانية أخرى.. وحول «أم الدنيا»، اجتمع «الفيسبوكيّون».

شباب لا طائفيون، ويساريون، وعلمانيون، ومدوّنون، وناشطون يعرفون أن عدوّهم ليس مجرد «زعيم ديكتاتوري»، بل أنه أشدّ تعقيداً: نظام بكامله طائفي أشبه بالوحش برؤوس كثيرة.. هم في كل مكان: في الشوارع، في المقاهي، في المكتبات، في أماكن العمل، يتابعون ثوّار مصر، مع إدراكهم العميق لصعوبة التغيير في لبنان، والعجز عن إسقاط مؤسّسات وتوازنات ومعادلات ومحاصصات وقوانين ووزراء ونواب وأحزاب بُنِيت على الانقسام وعمّقته.. إلا أنهم باتوا مسكونين بالأمل: «إن الشعب قادر إن أراد، وهو قادر على عزل التدخل الخارجي والسلطات»، كما تقول الإعلامية والناشطة الاجتماعية رولا، الباحثة دوماً عن مساحة بديلة في التدوين الإلكتروني للتعبير عن مشاعرها وأفكارها.

ورولا (‬25 عاماً) هي واحدة ممن يرون في انتفاضة مصر «مخرجاً للإحباط السياسي الذي نعاني منه»، فـ «شباب مصر صنعوا الثورة، عبر منابرهم الإلكترونية، والتي من خلالها سقطت أقنعة النظام أمام العالم، فكانوا وقود الثوار والمدافعين عن القضية. ولأن النظام قد شعر أن في دويّ كلماتهم ما قد يهزّ العرش، عمد بشتى الطرق إلى إسكاتهم، وإلى ملاحقة البعض منهم أحياناً، إلا أنهم لم ينصاعوا، واستمدّوا من خوف النظام منهم قوتهم، فتحايلوا وناوروا ونجحوا في استكمال واجبهم الوطني في إيصال الصورة الحقيقية للمتظاهرين قبل أن تلوّثها أدوات السلطة، وفي فضح ممارسات النظام الجرميّة قبل أن تحكم عليها الأيادي الخفية بالظلمة»، هكذا تختصر المشهد، مع إدراكها التام بأن بلدها «صاحب شعارات الحرية، والديمقراطية، والتعدّدية الحزبية» لن يتوحّد إلا «إذا اجتمع أبناؤه على رفض القمع، والتجويع، والفقر، وكبت الحريات والحكم الواحد».

خلافاً لما كانت عليه الصورة في مصر، فإن «التدوين في لبنان يعمل على رفع مستوى الوعي السياسي في المجتمع اللبناني، عوضاً عن دوره كمحرّك للتغيير»، هذا ما يؤكده مؤسّس مدوّنة «تريلا» عماد بزي، فبالنسبة إليه «يختلف دور المدوّنين في لبنان عن دورهم في البلدان العربية. ففي مصر وتونس، هم محرّك مباشر للتغيير، إذ يعمدون الى حشد الرأي العام والشباب للتظاهر وإحداث التغيير..أما في لبنان، فيتلخص دورهم بـدفع الشباب للتفكير في نمط آخر، ورفع مستوى الوعي السياسي في المجتمع اللبناني».

غير أن التغييرات في لبنان، والتي غالباً ما تأتي بطبقة سياسية مشابهة لسابقتها، حسب رأي بزي، تعدّ الحافز الأساسي لأن يقوم المدوّنون بعملية المحاسبة، وذلك في ظل «غياب منطق المحاسبة والشفافية في الدولة»، فـ «يحلّ المدوّنون مكان جهة المحاسبة المفقودة، ويكشفون عن معلومات يخفيها الإعلام التقليدي عن الرأي العام»، ويشير الى أن لا مشاكل أمنية تعترض المدوّنين في لبنان، «إلا بعض الاستثناءات الصغيرة»، أما المضايقة الكبرى فتبقى تقنية، تتعلق ببطء الإنترنت وتكلفته العالية وعدم وجود خدمة «برودباند». ويدعو بزي الشباب اللبناني إلى التوجه للتدوين الإلكتروني، أو ما يسمى بالإعلام الجديد، حيث تُضمن حرية التعبير وسرعة إيصال الأفكار، «لأن تلك هي أداة التغيير الجديدة».

«في لبنان الوحدة وحدتان، ولا يجتمع اثنان من فريقين مختلفين على مطلب واحد، مهما بَعُد عن السياسة.. الفقر في لبنان فقران، الجوع جوعان، الحريات بوجهين، والحقّ حقّان»، هكذا يرى وائل (‬21 عاماً)، الطالب في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، واقع بلده «المُلهِم»، كما يصفه، وهو بدأ منذ ‬25 يناير الفائت يتواصل مع أكثر من عشرين من أصدقائه في أماكن متفرّقة في مصر، يتابع أخبارهم، ينقلها عبر «تويتر» و»الفايس بوك»، ويعود ليجري المقارنة مع يوم غضبهم ويوم الغضب اللبناني، و»هذه المقارنة تضحكني، وتحزنني، وتفقدني الأمل بلبنان وبشبابه»، ويتساءل: «كيف أقارن بين مئات الآلاف من التونسيين الذين بدأوا التغيير في العالم العربي، وبين ملايين من المصريين يهتفون ضد الاستبداد بعيداً عن أي شعار مذهبي- ديني، وبين عشرات يشعلون الإطارات فداءً لزعيم لا يختلف عن بقية الزعماء الذين يتحكّمون بتفاصيل حياتنا، بما في ذلك متى نغضب ونثور، ومتى نهدأ»!