سوق قندهار، الذي يبعد عن مدينة أم درمان السودانية في اتجاه الغرب ما يقرب من العشرين كيلومتراً، هو سوق من طراز خاص، وقبلة للأسر والأجانب، ارتبط بهدف معين هو غالباً ما يحرك الناس في اتجاهه، فما ان يذكر اسمه حتى تتبادر إلى الأذهان أطباق الشواء الطازجة، وهي خارجة للبطون الجائعة بعد رحلة معاناة داخل صاجات الشواء الداكنة السواد، لكن المثير في الأمر أن هذا السوق تدين فيه السيطرة الكاملة للنساء.
وتقول «جمالاتّ» وهي صاحبة شواية بسوق قندهار، انهم من قاموا بتـأسيس هذا السوق وأن القرار في هذا السوق بيدهم ولا يقبلون بأن يتدخل الرجال في إدارة هذا السوق.
وفي ركن آخر ينافس النساء الجزارون في بيع اللحوم، وترتفع المبيعات أيام العطل، حيث يرتاد السوق أعدادا كبيرة من الناس.
ويضيف محمد على شيخ (الجزارين) بسوق قندهار أن السودانيين يعرفون من أين تؤكل الكتف ويتميزون بمعرفة أجود أنواع اللحوم وكل من يأتي إلينا يخرج سعيد لخصوصية سوق قندهار. غير أن (زهرة) صاحبة شواية بالسوق ترى في وجود (الجزارين) خصماً على سلطة المرأة في سوق قندهار وتخاف من أن يجيء يوم يسحب الرجال البساط من المرأة في السوق وتذهب أبعد من ذلك، وتقول: لو كانت المرأة تستطيع أن تذبح الخراف والجمال، لما كانت هنالك حاجة لـ (الجزارين) من الرجال.
ليس له مثيل
وفى غمرة الزائرين إلى سوق قندهار وعندما كنا نتبادل اطراف الحديث مع الجزارين قاطعنا الحاج عبدالرحيم ودخل معنا في الحديث مباشرة وقال انه ولمدة عشرة سنوات لم ينقطع عن هذا السوق ويأتي إليه في الشهر الواحد مرتين، ولم يخف سعادته وهو داخل إلى سوق قندهار قاصدا الشواء واخذ قسط من الراحة على أحد «العناقريب»، وهى واحدة من المصنوعات الفولكلورية السودانية التي تستخدم للجلوس، وأضاف «هذا الطعام أشهى من طعام أفخم الفنادق العالمية»، هكذا وصف الطعام بعد أن تناول أطباق الشواء الشهي بالسوق.
ويزيد الحاج عبدالرحيم: نعم.. الطعام في سوق قندهار لم اجد له مثيلاً، وأنا الذي زرت الكثير من دول العالم. ولكن السوق يمثل قبلة لجنسيات عديدة رغم خصوصية طهي الطعام بالطريقة السودانية، إذ يجد محمود القادم من مصر، وسعيد القادم من دولة جيبوتي أن سوق قندهار لافت للنظر، ويجبرك على أن تحترم ما تصنعه النساء السودانيات.
ويضيف محمود القادم من جمهورية مصر في زيارة سريعة إلى السودان أنه لم يأكل في حياته لحمة مطهية بالصورة التي وجدها في سوق قندهار، ويقول عندما قدمت له الدعوة من قبل أصدقائه من السودانيين تملكه خوف عند سماعه لاسم قندهار وتبادر إلى ذهنه مدينة قندهار (الأفغانية)، خاصة وأن أصدقاءه من السودانيين لم يوضحوا له أنه سوف يذهب لتناول هذه الوجبة الدسمة وأعجب أيّما إعجاب بطريقة طهي اللحمة عند النساء السودانيات.
وفى السوق أيضاً ترى التنافس واضحاً حيث تجد النساء في الطريق في انتظار استقبال الزوار وينادين بالصوت وتؤشر كل واحدة على موقعها، وعندما دلفنا إلى محل (امدرق) وهي شابة عشرينية قالت إنها لا ترى منافسا لجودة طعامها وتعتز بمرتادي محلها من كبار مسؤولي الحكومة، وكذلك الكثير من الجنسيات غير السودانية، وتقول إن الزائر الذي لم يأت ويتذوق طعم اللحمة المشوية في محلها كأنه لم يزور سوق قندهار.
الهروب من المدينة
ويمثل سوق قندهار هروبا من جو المدينة الذي أفسدته عوادم السيارات إلى هواء البوادي الطلق والبعد عن الجدران الأسمنتية، حيث يقول الموظف الرشيد المكي إن سوق قندهار يمثل لمّة للأصدقاء، وتقوية للعلاقات الاجتماعية، ونتفقد بعضنا البعض بعيداً عن تفاصيل العمل اليومية. ولم ينس الرشيد أن يضيف بأن الزيارة إلى سوق قندهار لفترات متباعدة وتناول اللحمة المشوية بمثابة مادة غذائية متكاملة ومتنفساً جيداً ينسيك الكثير من الهموم عندما تكون جالساً مع من تحب من الأصدقاء.
بعد تناول أطباق اللحوم الطازجة تقدم خلطة قندهار السحرية «غباشة» التي تتكون من خليط مشروب (السفن أب) و(الزبادي)، ويقولون إنها تساعد على الهضم وبدونه لا تكتمل الوجبة.
وتتحول معاناة اللحمة داخل صاجات الشواء الداكنة السواد وتنعكس إلى داخل نفس أميرة (الحمرية)القادمة من إقليم شمال كردفان بغرب السودان تقول إن ظروف الحياة القاسية هي وحدها من دعتهن وأجبرتهن لخوض غمار هذه التجربة القاسية لتوفير العيش الكريم لأسرهن، رغم الرسوم الباهظة التي تفرضها السلطات الإدارية، مما دفع بعضهن لإغلاق محالهن بحجة أنها غير عادلة وتزيد من معاناتهن.
وفي جانب ليس ببعيد عن سوق قندهار، يسطر الرجال بالكامل على الزريبة المكان تحفظ فيه الحيوانات وبجانبها المسلخ، ولا ننسى في كل أركان السوق انتشار بائعات الشاي اللائي يجلسن في ترتيب معين لإصلاح الكيف بعد وجبة دسمة.. لكن يبقى أبرزها أنه سوق تحكمه النساء.
