شعارات سياسيّة، رسومات، أسماء جمعها الزمن أو فرّقها، شاب يطلب وظيفة، أرقام هواتف.. و«معلّمة تعطي دروساً خصوصيّة».. وهكذا، باتت جدران وأنفاق شوارع العاصمة بيروت تزخر بالكتابات والصور والشعارات لتعكس أكثر من تعبير سياسي واجتماعي.
وفي ظلّ هذا الواقع، اجتاحت سعيد موجة غضب جنونية عندما عاد إلى منزله ليجد سور حديقته قد تحوّل لمخطوطة تتوسّطها عبارة «مسكين يلّلي حالته متل حالتي». وبعد أن أطلق العنان لموجة سباب وصراخ، «كسر الشرّ»، كما يقال في لبنان، وقام بطلاء الحائط بنفسه. استيقظ في اليوم التالي ليجد أن السور تحوّل لمخطوطة أخرى: «مبروك البويا الجديدة»!
وفي مكان آخر، تلميذ لم يلتزم بتوجيهات الفنانة نانسي عجرم، وكتب باللون الزهري على حائط مدرسته مقطعاً من أغنيتها «شخبط شخابيط مسك الألوان ورسم عالحيط».. مرّ من هنا».
وليست كل الكتابات تعبيرية، فبعضها...إخبارية، إذ تشكل بعض الجدران خارطة للشوارع والأزقة، يكتب عليها اسم المنطقة أو مثلاً «ابتسم أنت في المنطقة الفلانية»، كأن لوحات البلدية غير كافية أو أن المارة لن يرونها إلا إذا توسّطت جدار ما، أو كأنك لن تبتسم إلا إذا طلب منك ذلك بفرشاة طلاء. «أبو عذاب» زرع لقبه على كل حجر من جدار قديم.. شادي وعامر وسليم «مرّوا من هنا»، وأبوا إلا أن يعلموا الجميع بهذا النبأ.. وهكذا تكرّ السبحة.
هي الجدران باتت فسحة لمدوّنات تعبّر عن هموم المدينة ومشاعرها المكبوتة، فضلاً عن ذاكرة تقاوِم النسيان.. وربما تكون مجرد «خربشات» أو هي أسلوب مجنون للتعبير عن الذات، لكن من يغوص في عمق هذه الكتابات، مهما كانت بسيطة، يكتشف أن كل حرف وكلمة ورسم لقلب يخترقه سهم بحرفين وراءه قصة طويلة ومشاعر لم تجد متنفّس لها سوى جدار ساكن لا يتحرّك، جدار «وفيّ» لا يهمل ولا يرمى في سلّة المهملات.
وهم «أدباء الجدران» يوقّعون الشوارع بصراع نفسي، صراع بين الحب والفراق، الحقد والوفاء، صراع بين أحزاب سياسية وطوائف أيضاً، يطمحون إلى تخليد كتاباتهم، فيلجأون إلى الجدران لتختزن قصص حبهم ويأسهم وانتماءاتهم بلا رقيب، ويجعلون من جدران المدينة لوحاً مفتوحاً يدوّنون عليه شعاراتهم وصرخاتهم.. والأهمّ أن هؤلاء يسعون إلى العبور من الحيّز الخاص نحو العام، وهذا ما تؤمّنه لهم الجدران، فالعين تقع على ما كتِب ولا مفرّ من قراءته، كما لا قدرة لأحد على إهمال كتاباتهم. إنها «رمزيّة الثبات ضد العابر»، حسب رأي سامر.
وإذا كانت الجدران قد صارت كالروايات، تحضن أسراراً يبوح بها أصحابها بشكل غير مباشر، ربما تكون قصة وطن مسلوب أو بطل أو مجرم أو قصة حب ضائع، إلا أن بعضها استفزازي وفارغ من أي معنى أو مضمون، ولا يتعدّى كونه تشويهاً للمنظر العام أو تعدٍّ على ملكيات الآخرين وتخريبها.
ثورة.. حائط
الى ذلك، تختزن الرسوم والكتابات معانٍ ثورية وشعارات سياسية، فاللبنانيون نقلوا المعارك من الشوارع إلى الجدران التي تحوّلت ساحة قتال، وأحياناً حوار.. وإضافة إلى حملات السياسيين الانتخابية التي «تزين» البلد مع بداية كل موسم انتخابات، تنتشر الشعارات الحزبية على جدران المناطق كافة من دون أي رقابة، لا ينظمّها قانون إنفاق انتخابي، فتغدو الجدران دليلاً على الانتماء الحزبي والسياسي لكل منطقة.
إنها حرب باردة بين مناصري الأحزاب كافة، حيث يخطّون ولاءهم لزعيم ما على جدار وجدوا فيه ضمانة للإجهار برأيهم السياسي.. وهذا الجدار صدره رحب ويتسع لأصحاب الرأي الآخر وشعاراتهم المضادّة، فيعتبرون أنهم يملكون حق الردّ.. وبذلك تتحوّل ضفاف الشوارع إلى فسيفساء، هي الأصدق تعبيراً عن واقع لبنان السياسي.
