تكثر عروضهم نهاية كل شهر، ولكن أيام الأسبوع الأخرى لا تخلو من إغراء أيضاً، فما الذي يدفع تاجر إلى بيع سلعة بسعر تعلم ربة المنزل تماماً أن سعرها الحقيقي أضعاف ما هو معروض؟
تقف سيدة أمام رفوف هرمية تزدحم فيها «سلع العروض» يسيل اللعاب من أسعارها.. ما ستقوم به ربة البيت أنها ستشتري كل ما تسمح به محفظتها من هذه السلع.. من دون أن تسأل نفسها إن كانت بحاجة حقيقية لها أم لا؟
وفي حال سألت نفسها عن سبب انخفاض السعر فإن الإجابة السريعة أن التاجر يريد «قلب» سلعه وتحريك رأس المال الذي لديه.. ولكن هل هذا صحيح؟
الكثير من المخابز تعرض غير سلعة الخبز الكثير السلع على رأسها أنواع الشوكولاتة السائلة وغير السائلة من الماركات العالمية، وبأسعار تكاد تكون مجنونة لسعرها المنخفض. وهذا ما تفعله الكثير من المولات أيضاً. فما الذي يجري؟ وهل أفاق بعض التجار فرأوا أن يرحموا المواطن؟ أم أن هناك معادلة ربحية أخرى تغيب عن ذهن المستهلك سيحقق فيها التاجر أرباحاً تتجاوز الأرباح التي يحققها تاجر آخر يبيع ذات السلع بأسعار مرتفعة؟
كلمة السر بالنسبة إلى البعض في «مدد صلاحية السلع» التي غالبا ما تكون قد انتهت أو قاربت من الانتهاء وهو ما يصفه خبراء تسويق بعمليات احتيال لاسترجاع رأس المال على الأقل.
يقول «أبو إسماعيل» وهو صاحب مخبز يكتفي ببيع كل ما يخبز: السر في مدة صلاحية السلع المباعة، وطريقة شراءها من التجار في الخارج والداخل.
أنت أمام ماركات مشهورة من الشكولاتة أو العصائر أو الجبن أو البسكويت، بل وربما الأجبان، والمعلبات بجميع أصنافها. هي أطعمة يفترض أن تكون آمنة.. وآمنة جدا.
وتصل انخفاض أسعارها في بعض الأحيان إلى 50٪ من سعرها الحقيقي في الأسواق المحلية. واعتاد المواطنون على طرح «مولات» ومخابز ومحلات تجارية مختلفة هذه الأصناف على شكل عروض وتلقى إقبالاً شديداً من الجمهور في عمان الغربية وفي الشرقية أيضاً.
ما يجب أن يسأل المواطنون أنفسهم هو هل هم أمام تخفيضات مجنونة لأسعار سلع مغرية أم أننا أمام تخفيضات وهمية تهدف إلى بيع السلع بأسرع وقت ممكن؟
رغم أن «أبو إسماعيل» لا يبيع تلك الأصناف إلا انه ينفي أن يكون هناك رغبة في توريط المواطنين بشراء أصناف من السلع غير الضرورية التي صلاحيتها على وشك والانتهاء عبر طرحها في المخابز. ويقول إن المخبز يبيع الخبز، وربما أشياء أخرى، ولكن الأهم الخبز، وما يرغب في أي تاجر هو مزيد من الربح.
خبراء التسويق يعلمون أن الخبز هنا ما هو إلا طعم لسنارة التاجر فإن حاجة الناس الماسة لشراء الخبز مدخل موضوعي لوضعهم في حالة ضعف أمام منتجات شهية الطعم مغلفة بشكل مغر وجميل، ولأنها في الوضع الطبيعي ليست في متناول يد معظم المواطنين بسبب غلاء أسعارها وتباع في إمكان طرح «العروض» عليها بأسعار مناسبة فإن سياق التوريط يكون مكتملاً من بين عشرة مواطنين رصدهم التقرير دخلوا مخبزاً في عمان الشرقية يبيع هذه الأصناف من المنتجات اشترى اثنان منهم الخبز فقط فيما اشترى واحد كميات من الشوكولاتة، وأصناف أخرى من دون أن يشتري الخبز، بينما اشترى الباقون خبزاً وأصنافاً أخرى من السلع المعروضة.
أي أن 70٪ من الزبائن وقع ضحية شراء هذه المنتجات المعروضة في رف الأسعار المخفضة. ومن المعروف أن الكثير من هذه السلع غريبة عن أفواه المواطنين ولم يكن يعرفها آباءهم، وهم اليوم ومن خلال ممارساتهم الاستهلاكية يكادون لا يستغنون عنها، أو هكذا يشعرون.
وتكمن خطورة هذه المواد أنها بطبعها تبقى فترة طويلة في «رف مطابخ الأسر» ما يعني أن هناك عواقب وخيمة على صحة أفراد الأسر كون صلاحيتها للاستهلاك على وشك الانتهاء.
الدكتور غسان تلاحمة نصح المواطنين بتحصيل حد معقول من الوعي الغذائي لفهم بيانات البطاقة الغذائية لتحديد ما يناسبه وما لا يناسبه، مشيراً لنشر إدارة الزراعة الأميركية دليلاً إرشادياً حول تخطيط الوجبات الغذائية وفقاً للسعرات الحرارية في الأغذية.
وأضاف إن أهم ما يجب أن يسجل على العبوات الغذائية هو مدة الصلاحية وبيانات القيمة الغذائية التي تشمل كمية الطاقة، ونسب الدهون والبروتينات والمعادن والفيتامينات والألياف كون الغذاء هو مصدر الطاقة لجسم الإنسان، داعيا إلى ممارسة عادة دائمة بالتأكد من صلاحية المنتج والتعاون لحماية المواطنين من المخاطر ووقاية للمستهلك والحماية من التعرض للأغذية غير المباحة شرعاً وقانوناً. وأكد على حق إنساني مبدئي في الحصول على الغذاء الأمن والسليم من المخاطر والحصول على السلع الغذائية المطابقة للمواصفات الدولية والمحلية وحقه.
حالة استلاب
ويدرك «أبو انس» صاحب أحد المخابز الذي اكتفى بتعريف نفسه بهذه الكنية أن المواطنين الذين يأتون إلى مخبزه لشراء الخبز يجدون انفسهم في حالة من الاستلاب تدفعهم إلى شراء منتجات لا يحتاجون إليها أو ليست ذات أهمية لهم في تلك الفترة وذلك على حساب متطلبات اسري أخرى لها أهمية كبرى.
أبو أنس، كما يقول، لا يضرب الزبون على يده لإجباره على شراء السلع المعروضة على رفوف مخبزه، فهل المنطق الذي يورده صاحب المخبز صحيح؟ وهل يمكن أن تستقيم أحوال الناس ما دامت الأسواق في فوضى عارمة، كما يقول رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك الدكتور محمد عبيدات؟
قبل الإجابة عن السؤالين السابقين لا بد من معرفة الظروف التي دفعت كميات ضخمة من المنتجات الأوروبية والأميركية واليابانية والكورية إلى الأسواق المحلية وهي منتجات غير ضرورية للأسر وخاصة ذات الدخول المتوسطة والمحدودة.
وتحدث مستورد أردني مع كاتب هذه السطور مطولا في هذا الشأن ولكنه لأسباب موضوعية رفض الكشف عن هويته.
يقول هذا المستورد لمشروع مضمون جديد ان الأزمة الاقتصادية العالمية التي تأثرت بها كل اقتصاديات العالم أفرزت صنفين جديدين من التجارة، أولهما عدد من الأردنيين كانوا يعيشون في الولايات المتحدة الأميركية أو في دول أوروبية، وجدوا أن حياتهم في تلك الدول ليست ذات جدوى في ظل ظروف عمل صعبة فعادوا إلى الأردن وبضعهم شجن معه كميات من السلع الاستهلاكية كانت لديه في المستودعات أو اشتراها بأسعار زهيدة واخذ يتاجر بها. وثانيهما تجار ومستوردون انتهزوا فرصة تكدس كميات ضخمة من البضائع في مستودعات الشركات الصناعية والتجارية على السواء في الدول الغنية بسبب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين هناك فاخذوا يشترون منها كميات بأسعار «محروقة»، إضافة إلى أن تجار أجانب ولدى قرب انتهاء مدد صلاحية السلع لديهم يقومون ببيعها إلى دول العالم الثالث، ومنها أخذت هذه السلع تدخل الأسواق المحلية كميات ضخمة من أصناف الشوكولاتة والبسكويت والعصائر والكيك والأجبان وأصناف أخرى معلبة اغلبها تكون صلاحيتها على وشك الانتهاء، ومع أن مؤسسة الغذاء والدواء وعلى لسان الناطقة الرسمية باسمها د. هيام دباس تؤكد أن دخول السلع المستوردة كافة يخضع لشروط صارمة، التي من ابرزها شرط عدم تجاوزها ثلث مدة صلاحيتها للاستهلاك البشري، إلا أن هذا الشرط، وفق عبيدات، يتم تجاوزه كما يتم تجاوز عدد غير قليل من الاشتراطات والمتطلبات الأخرى.
حماية المستهلك
يقول عبيدات إن الجهات الرقابية على الأسواق هي: مؤسسة الغذاء والدواء واقسام الصحة في مناطق أمانة عمّان والبلديات ومؤسسة المواصفات والمقاييس إضافة إلى دائرة الجمارك العامة وهي جهات لا تقوم بعملها بشكل صحيح.
ويضيف الجهات الأربع، إما غير مكترثة، أو غير ملمة بالنتائج الكارثية التي تسببها المواد الاستهلاكية غير المطابقة للمواصفات الأردنية ولمتطلبات الصحة العامة.
يكفي التجول في الأسواق كما يقول لاكتشاف مقدار الفوضى فيها فعشرات الأصناف من دون بطاقات بيان باللغة العربية بل بلغات دول المنشأ وهذه معروضة بشكل واضح في «المولات» الكبيرة والصغيرة بعشرات الأصناف وبكميات كبيرة مكدسة على الأرفف، ولم يتبق من مدة صلاحيتها للاستهلاك سوى أيام.
