اعتدنا على أن يقدم لنا التاريخ أبطالا من الرجال ذوي أجساد قوية وعضلات مفتولة يتباهون دائما بأجسادهم، بل اعتدنا على أن الذين يتقدمون إلى بناء أجسادهم يكونون فقط من جنس الرجال؛ لأنه يحقق لهم مظهرًا رجوليًا قويًا وجذابًا.. وقد استمر هذا لقرون طويلة..

لكن اليوم لم تعد هذه الرياضة في مصر حكرًا على الرجال فقط، بعد أن اقتحمت الأنثى أيضا هذا الميدان الذكوري، ولم يدخلنه كهاويات بل كمنافسات محترفات في مسابقات كمال الأجسام وحمل الأثقال وغيرها من الرياضات الأخرى، فهن يرين أن تركيبة المرأة الأنثوية لا تتعارض نهائيا مع ممارسة هذه الرياضات، وأنوثتها لم تتأثر البتة بخوض تجربة كهذه.. «الحواس الخمس» رصد تجربة نساء يتدربن في صالات رفع الأثقال والتفاصيل في السطور القادمة.. بحثا عن عضلات مفتولة وقوية وجسم صلب، تتجه الفتيات لممارسة رياضات عنيفة للغاية، فعندما تدخل الصالات الرياضية الآن ــ والتي كانت من قبل مخصصة للرجال فقط ؟ تجد أن بداخلها قسمين، الأول للرجال يمارسون فيه رفع الأثقال الحديدية لبناء عضلاتهم، والآخر للنساء يقمن أيضا بما يقوم به الرجال، حيث يرفعن أوزانا وأثقالا حديدية بهدف بناء عضلات صلبة، ويمارسن لعبة كمال الأجسام من أجل الظهور بمظهر قوي ومختلف.

لكن.. إذا كان الرجال يُقبلون على هذه الرياضات رغبة في بناء أجسام قوية وعضلات مفتولة وبارزة تلفت أنظار البنات والنساء، فلماذا إذن يقبل عليها الكثير من النساء، رغم كل ما تفعله هذه الرياضات بأجساد النساء من إبادة تامة لأنوثتهن؟!..

تقول ناهد صبحي ــ ‬30 عاما ــ «الرياضة ليست مهنة يحتكرها الرجال ولا لعبة تنصب عليهم وحدهم دون غيرهم، فالرياضة شيء مهم في حياة البشر أجمعين؛ لأن لها فوائد عديدة، وأنا أمارس الرياضة منذ طفولتي بكل أنواعها، فقد مارست رياضة السباحة وكرة القدم وألعاب القوى والكاراتيه، وترددت على الكثير من الصالات الرياضية، إلى أن قررت أخيرا أن أمارس رياضة كمال الأجسام من أجل أن أكون أكثر قوة وصلابة، فيمكنني الدفاع عن نفسي في أي موقف وتحت أي ظرف من الظروف، خاصة في ظل التحرشات الكثيرة والاختطافات التي تحدث الآن.. وتستطرد: الرجل دائما يستغل ضعف الأنثى ويرتكب جرائمه من خلال هذا الضعف، ولكن إذا مارست كل السيدات الرياضة وكمال الأجسام سيتمكن من الدفاع عن أنفسهن بسهولة وبطريقة تجعل الرجال يفكرون كثيرا قبل الاقتراب من أي فتاة ليعتدوا عليها، وها أنا الآن أصبح لدي عضلات مفتولة وجسد قوي يهابه معظم الرجال، وتضيف قائلة «ربما استمع إلى بعض العبارات الجارحة، فهناك من يقول إنني لست بأنثى بل رجل، وهناك من يقول إنني إذا تزوجت فسوف أعتدي على زوجي كل يوم بضربه، ولكن هذه العبارات لم ألتفت إليها مطلقا؛ لأني كنت أتوقع قول هذا منذ البداية، ورغم ذلك أقبلت على لعبة كمال الأجسام ورفعت أوزانا حديدية ثقيلة، حتى برزت عضلاتي بشكل واضح، وهدفي من هذا هو حماية نفسي من أي اعتداء».

هيمنة نسائية

هناك من يمارس هذه الرياضة كنوع من أنواع السيطرة والهيمنة على الميدان الذكوري، فتقول «مديحة» ــ ‬32 عاما ــ استفزتني هيمنة الرجال على أغلب الرياضات، فمنذ طفولتي عندما كنت أطلب من والدي أن أمارس رياضة ركوب الخيل مثلا أو الكاراتيه فيقول لي إنها رياضة للرجال فقط وليست للنساء، رغم أن الرياضة كما تفيد الرجال فهي تفيد النساء أيضا ولكن الموروثات الاجتماعية التي يخضع لها مجتمعنا تجعلنا نبتعد عن هذه الرياضات دون أن نسأل ما السبب، ولكن بعد مرور فترة من الزمن ووصولي إلى مرحلة عمرية تؤهلني أن أتخذ قراراتي بنفسي دون الخضوع الأعمى لهذه الموروثات، اتجهت على الفور لممارسة كل أنواع الرياضة، وبدأت بلعبة كمال الأجسام؛ لأثبت للرجال أولا قبل المجتمع أننا قادرون على ممارسة شتى أنواع الرياضات، بل والنجاح فيها، فمؤخرا استطاعت الأنثى الخوض في مسابقات كمال الأجسام والوثب ورفع الأثقال وكرة القدم والسلة وغيرها من الرياضات التي احتكرها الرجال قرونا طويلة دون حق لهم أو سبب واضح.

وتقول «جميلة.ك»، منذ سنوات وأنا أمارس الرياضة، لدرجة أنها أصبحت جزءًا مهمًا من حياتي؛ لأنني أرى أن ممارسة الرياضة أمر ضروري، خاصة للمرأة؛ لأنها تتعرض طوال الوقت لضغوطات يومية مهنية ونفسية أيضا أكثر من الرجل، فممارسة الرياضة تساعدني على التخلص من كل هذه الضغوطات التي أعتبرها مرض العصر، فبدلا من أن أنقل الضغوطات معي إلى البيت، ألقي بها في صالة رفع الأثقال، وأخرج منها صافية الذهن تماما، وأيضا أخرج منها امرأة قوية تستطيع الدفاع عن نفسها وعن أبنائها. رغم كل الأسباب التي أبدتها النساء، لكن الرجال لم يقتنعوا أبدا بهذا، فيقول «كريم ناجي» ‬34 عاما، لقد ارتبطت رياضة كمال الأجسام بالرجال، فكل أبطال التاريخ وحتى أبطال القصص والأساطير كانوا من الرجال، فلم نسمع يوما عن القوية فلانة، رغم أننا كنا نسمع عن هرقل مثلا، لكن النساء لا يردن أن ينفرد الرجال بلعبة أو أن يتميزوا بها؛ لذلك قررن أن يقتحمن صالاتنا الرياضية؛ ليثبتن لنا أنهن قادرات على فعل كل ما يقوم به الرجال، وأنهن قويات مثلنا تماما.

أما «جلال حمدي» ‬29 عاما، فيقول: ربما تكتسب المرأة القوة من هذه اللعبة، وربما أيضا يمكنها الدفاع عن نفسها من اعتداءات بعض الرجال، ولكنها في مقابل هذا تخسر أنوثتها التي حباها الله بها، فالعضلات والقوة والضرب والأوزان الثقيلة تنصب على الرجال وحدهم؛ لذلك لا أعتقد أن يُقبل رجل على الزواج من فتاة ذات عضلات مفتولة، ولن تكون هذه الفتاة يوما من أحلام أي رجل عادي يريد الزواج بفتاة طبيعية وليست بعضلات.

ويقول «ن. ف» ‬39 عاما، أحد أصحاب صالات كمال الأجسام، إن الصالات الرياضية الآن تشهد إقبالا واسعًا من النساء، بل ويقبلن على شراء الملابس الرياضية الخاصة بالرجال أحيانا ليرتدينها أثناء التدريب، وهي عبارة عن بدل رياضية وأحذية خاصة لرفع الأثقال، وتقضي النساء ساعات طويلة داخل أقسام رفع الأثقال بدون تعب، ويضيف قائلا «ربما كان عدد المشتركات لدي من النساء يفوق عدد المشتركين من الرجال، حيث تمتلئ صالة النساء بهن في وقت التدريب، أما صالة الرجال فتكون غير مملوءة، وهذا يدل على أن إقبال النساء على مثل هذه الألعاب أصبح ظاهرة.

الشريعة تمنع

يعلق د.أحمد محمود، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، على ذلك الموضوع بقوله إن الإسلام دائما يهتم بصحة الإنسان، والرياضة من الأشياء التي أباحها الإسلام للرجال والنساء معا، ولكن وضع للنساء شروطا لممارسة الرياضة، حيث أقر الإسلام أن طبيعة الأنثى تختلف تماما عن طبيعة الرجل، ولهذا يجب أن تبتعد عن الألعاب التي تخالف طبيعتها كأنثى وتتسبب في الأذى لها، مثل الملاكمة والمصارعة وبناء الأجسام ورفع الأثقال؛ لأنهن يعملن على تكوين عضلات لأجسدهن، وبالتالي تخرج المرأة عن طبيعتها الأنثوية التي خلقها بها الله، فالله خلق الرجال أقوياء، لكن المرأة بممارستها لهذه الرياضة تكون قد تشبهت بالرجال وتجاوزت أنوثتها.. وأشار إلى قول الله تعالى {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ }، وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمّا رأى امرأة تمشي مشية الرجل وقد تنكبت قوسها، أخبر صلى الله عليه وسلم أنّها ملعونة، كما لَعن - عليه الصلاة والسلام- المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.