مؤخراً، ارتفع صوت الأقباط عالياً، بزعامة ممثلهم الرسمي أدمون بطرس، حالهم حال طوائف الأقليّات الأخرى، مطالبين بالحصول على حقوقهم السياسية والاجتماعية كافّة، وبإزالة الغبن اللاحق بهم، فهم الآن يرون أنفسهم تائهون في جمهورية الطوائف، لا سيما بعد دعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان ممثلي الطوائف الكبرى إلى طاولة الحوار، مستثنياً الأقليات، ومن بينهم الأقباط الذين اعتبروا ذلك «صفعة مؤلمة».. وكأنما هناك من يقول لهم، بحسب بطرس: «أنتم غير مرغوب بكم في لبنان».

المكان: باحة «كنيسة العذراء ومار مرقص»، في منطقة سنّ الفيل (شرق بيروت).

الزمان: الساعة الثامنة من صبيحة كل نهار أحد.

المكان والزمان ثابتان.. هو موعد التقاء المصريّين الأقباط مع بعضهم البعض من أبناء الطائفة داخل باحة الكنيسة الصغيرة، وذلك بهدفين: الصلاة ولمّ الشمل.. وطبعاً، لا يشغلهم لقاؤهم عن التوجّه إلى صالون الكنيسة الواقع في الطابق السفلي، حيث تثبّت على إحدى جدرانه صفحة إعلانات أسبوعيّة، تتوجّه إلى من يبحث منهم عن وظيفة شاغرة، وتحمل أحياناً نداءً إنسانياً في حالات الضرورة، وخصوصاً أن أياً منهم «لا يتردّد في مساعدة أحد أبناء طائفته، القبطي المصري المسيحي حصراً، في حال تعرّضه لأي مشكلة»، بحسب ما يؤكّد كاهن الكنيسة الأب «رويس الأورشليمي».

وعلى وقع الترانيم القبطيّة، والتي تُتلى باللغة القبطيّة المؤلّفة من ‬32 حرفاً «‬23 حرفاً مشتّقة من الهيروغليفية (اللغة الفرعونية)، و‬9 أحرف من اليونانية القديمة» وتُكتب وتُقرأ من الشمال إلى اليمين، مترافقةً مع نقر الدفوف وصدى الصاجات وعبق البخور، تبدأ مراسم قدّاس نهار الأحد، وهو من أطول القداديس بين جميع الطقوس المسيحيّة، إذ يستمرّ لمدة أربع ساعات وينتهي عند الظهيرة، فـ«طقوس الطائفة القبطيّة تتميّز بنكهة وطابع مختلفَين عن سائر الطوائف المسيحيّة الأخرى، لكونها مستوحاة من المناخ الشرقي، وهي مزيج بين القبطي واليوناني، الذي بدوره يُبرز الفن القبطي من خلال الموسيقى والألحان الليتورجية»، وفق قول كاهن الكنيسة لـ«البيان».

‬5000 من أبنائها مقيمون.. و‬2000 منهم يحملون الجنسية

من أرض الكنانة ومهد الديانة المسيحيّة في القارة الإفريقيّة، ومن موطن البطريرك الأول للكنيسة القبطيّة الأرثذوكسيّة في العالم «مار مرقص»، جاؤوا إلى لبنان منذ زمن طويل.. نحو ‬2000 شخص منهم يحملون الجنسيّة اللبنانية، فيما لا يزال أكثر من ‬3000 شخص من المقيمين منهم في لبنان يأملون بالحصول على هوية بلد اختاروه وطناً لهم، وينتظرون.

ويعود تاريخ الاعتراف الرسمي اللبناني بهذه الطائفة إلى عام ‬1996، وتحديداً في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي.. يومها، كان عدد الطوائف المعترف بها رسمياً في لبنان هو ‬17 طائفة، فأصبحت ‬18 بعد ضمّ «الأقباط» إلى القائمة الرسمية، ما أحال مجمل طوائف الأقليات إلى ‬12 طائفة، مضافة إلى الطوائف الـ‬6 الأساسيّة، وهي: السنّة، الشيعة والدروز، الموارنة، الروم الأرثذوكس، الكاثوليك.

وبحسب بطرس، فإن الوجود القبطي الحديث في لبنان قد بدأ بالظهور مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مذكّراً بالأخوين تقلا اللذين أسّسا جريدة «الأهرام» في مصر، وبالأديب والمؤرّخ جرجي زيدان الذي أسّس دوراً للطباعة وللنشر فيها، بالإضافة إلى أسرة الجمّيل التي ولد أفرادها في المنصورة في مصر، ومنهم بيار الجميّل مؤسّس «حزب الكتائب».

هكذا، وخلال الفترة الممتدّة بين العامين ‬1920 و‬1990، كان الأقباط في لبنان من المقيمين، يجدّدون إقاماتهم كل سنة ويدفعون كفالات مادية للدولة، بالإضافة لاضطرارهم لتوكيل كفيل لبناني عنهم.. واستمر الأمر على هذا الحال حتى عام ‬1994، في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، عندما منحت الجنسية إلى بعض الأقباط والطوائف الأخرى المقيمة رسمياً منذ أكثر من عشر سنوات داخل لبنان.