السيدة شفا لن تعود إلى منزلها البسيط المكون من غرفة واحدة من الطوف وسقف حديدي. فهي بعد ان عجزت عن العيش بكرامة أضرمت النار في مكتب صندوق المعونة الوطنية في دير علا في الأغوار الأردنية، وهي تسعى لإحراق نفسها، لكن اليوم سيكون على أطفال «شفا» عدم انتظار أمهم كما كانوا يفعلون يوميا في انتظار جلب بعض المال بعد يوم عمل شاق في المزارع، لتحضر لها بعض الخبز وقليلا من الطعام.

ولكن غفران الطفلة الصغيرة لـ «شفا» لا تكترث لكون والدتها أحرقت «الصندوق» فهي دائمة البكاء تريد عودتها إلى المنزل.

الطفلة غفران ما زالت تنتظر عودة الام، وهي تبكي بحرقة ولكن لن يستطيع احد مساعدتها. ففي صبيحة يوم غادرت شفا منزلها تحمل أملاً بموافقة إدارة صندوق المعونة على طلبها بصرف معونة نقدية تخفف عنها عبء الأعمال الشاقة في الزراعة من أجل تأمين لقمة العيش لأطفالها ولكنها لن تعود.

وتزوجت شفا من عامل وافد تم إبعاده عن المملكة. و«شفا» واحدة من أولئك النسوة اللواتي يدفعن ثمن الزواج من العمالة الوافدة.

وكانت دراسة اجتماعية كشف عنها النقاب مؤخرا كشفت ان ثلاثة آلاف وستمائة امرأة أردنية تزوجن خلال العام الماضي من ‬36 جنسية غير أردنية، منها (‬16) عربية و(‬20) أجنبية.

وقال استاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور حسين الخزاعي الذي أعد الدراسة استنادا إلى سجلات القيود المدنية: إن هذه الأرقام تعني ان ما نسبته ‬6٪ من النساء الأردنيات يتزوجن رجالاً غير أردنيين ومن جنسيات متعددة، كاشفاً ان هذه الظاهرة جديدة ولم تشهد سجلات الزواج هذا الأمر من قبل.

وعزا الدكتور الخزاعي أسباب تسجيل واقعات الزواج هذه لغير الأردنيين برغبة الفتاة الأردنية بالزواج وخوفها من ان يفوتها قطار الزواج - كما يطلقون عليه - دون ان تستطيع اللحاق به.

وتعاني الأمهات الأردنيات المتزوجات من أجانب من عدم توفر التأمين الصحي للأولاد، كونهم لا يحملون الجنسية الأردنية، وأخريات يعانين من مشاكل توفير الإقامة، والتعليم لأبنائهن.

ولكن الظاهرة الأخطر تلك التي يقوم بها العامل الوافد من الزواج من أردنية بهدف القفز والسماح له بالإقامة في الأردن.

وقال مدير التنمية الاجتماعية وصندوق المعونة الوطنية في لواء دير علا ناجي العلوان، إن ظاهرة الزوجات المهجورات أصبحت تشكل حقيقة يدفع ثمنها المجتمع خاصة الأطفال الأبرياء، إضافة إلى المؤسسات الرسمية التي يطالبها البعض بتقديم العون المالي لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير الأردنيين.

وأضاف هذا بالطبع مخالف للقانون فالدعم المالي بموجب القانون يكون للأردنيين فقط، ونحن من هذا المنطلق نقوم بدعم الزوجة الأردنية المتزوجة من غير الأردني لأن القانون ينطبق عليها فقط من دون أبنائها، أي ان المعونة يتم تخصيصها للأم بغض النظر عن عدد أطفالها، ولدينا العديد من الحالات التي تتقاضى معونة نقدية لكن العدد الذي لدينا لا يعكس حجم واقع المشكلة.

 

خلاف يتطور إلى حريق

عند دخول «شفا» مكتب صندوق المعونة توجهت للموظف المختص ليدور بينهما حوار حول الإجراءات التي أثارت حنق «شفا»، فما كان منها إلا وأخرجت زجاجة مملوءة بالكاز لتشعل النيران بالمكتب محاولة لإحراق نفسها، لتأتي النيران على موجودات المكتب بخسائر تقدر بنحو ‬60 ملفاً تعود لمراجعين. كانت ابنتها الطفلة عبير التي تبلغ من العمر ‬12 عاما تقوم بأعمال المنزل او الغرفة عندما قمنا بزيارتها.. الأعمال كثيرة فهي تريد ان «تنشر الغسيل» وتبعد مياه الأمطار التي داهمت المسكن وحولته إلى بركة من ماء.

رفضت الحديث أو أنها كانت زاهدة فيه فلا فرق. هن أطفال ثلاثة «أسماء وسندس وبلال البالغ من العمر ‬15 عاماً». وقال المحامي برهم البقور العبادي الذي تطوع للدفاع عن الأم: لقد تم توقيفها في سجن النساء بالجويدة على ذمة القضية».

فيما قال مدير التنمية الاجتماعية ناجي العلوان: إن الأمر متروك للقضاء ولوزارة التنمية الاجتماعية فيما يتصل بإبعاد المشكلة المنظورة أمام القضاء، أما من الناحية الإجرائية فقد تمت الموافقة على صرف معونة نقدية شهرية لها إضافة إلى صرف مساعدات عينية من بطانيات وفرش ومواد غذائية، إضافة إلى طلب صرف معونة طارئة بملغ ‬300 دينار تصرف من الوزارة رفعت باسم جدة الأطفال لوجود الأم بالسجن».

في كل الأحوال لا حل اليوم أمام الأسرة سوى انتظار انتهاء محاكمة الوالدة وسجنها المدة التي ستقررها المحكمة.