تراجع مؤشر الفقر والأمية في الجزائر بشكل محسوس ومنتظم وبمعدلات مرتفعة خلال السنوات العشر الأخيرة. وأرجعت تقارير أصدرتها هيئات جزائرية ودولية هذه القفزة إلى برامج التنمية التي انطلقت والى فتح مشاريع ضخمة وفرت الشغل لمئات الآلاف من العاطلين، والى التعاون متعدد الأشكال الذي سجل بين المؤسسات الرسمية والجمعيات التي تعتني بمحو الأمية. لكن مع ذلك تبقى الأرقام مخيفة.
وهبطت نسبة الأمية في الجزائر خلال 48 عاما من الاستقلال 70 نقطة من 92 بالمئة العام 1962 إلى نحو 22 بالمئة عند نهاية العام ,2009. لكن مع ذلك تبقى النسبة عالية ويقابلها عدديا سبعة ملايين أمي من مجموع 36 مليون نسمة هو إجمالي عدد سكان الجزائر، أي أن شخصا واحد من بين كل سبعة جزائريين أمي. والمقصود بالأمية هنا ليس من لا يعرف أكثر من لغتين أو من لا يحسن استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة من كمبيوتر وانترنت وما إليها ولكنه الذي لا يحسن القراءة والكتابة. وقالت عائشة باركي رئيسة جمعية «اقرأ» أكثر الجمعيات نشاطا في مجال محو الأمية بالجزائر إن العدد كبير لكن النتائج المحققة في تذليل نسبة الأميين من أكثر من 31 بالمئة إلى 22 بالمئة في عشر سنوات شجعتنا على مواصلة العمل ونسعى لنكون بلدا بلا أمية في غضون سنوات قليلة. وأكدت ان أكثر من نصف مليون أمي تخرجوا السنة الماضية وهم يحسنون القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وتحرروا نهائيا من الأمية وصار بإمكانهم مواصلة الدراسة لتحقيق مستويات عليا، وينتظر أن يتخرج مثلهم هذا العام. وقالت «بداية من العام 2012 يفترض ان يكون عدد المتحررين من الأمية كل عام أكثر حتى نكون عند الموعد في التاريخ المحدد، ونقضي على الأمية قبل دخول العام2017». لكنها لم تخف قلقها من عدد الأميين الذي لا يزال كبيرا في بلدها. كما يرى كثيرون انه من غير الممكن تصفية الأمية تماما من البلاد وإنزال النسبة في التاريخ المحدد تحت سقف 10 بالمئة يعد انجازا عظيما. وكانت الجزائر اعلنت، لتحقيق هذا الهدف، عام 2007 برنامجا طموحا يمتد على عشر سنوات خصصت له غلافا ماليا أوليا من الخزينة العمومية بقيمة 750 مليون دولار لتعزيز قدرات استيعاب الفضاءات الخاصة بمحو الأمية وتسريع وتيرة القضاء على الظاهرة التي توصف عادة بالآفة. وتطورت في العامين الأخيرين قدرات «الديوان الوطني لمحو الأمية وتعليم الكبار» في مجال طباعة الكتب وتوظيف المدرسين وفتح أقسام جديدة. وبلغ عدد المسجلين هذا الموسم نحو مليون ومئتي ألف متعلم اغلبهم سيدات بيوت يؤطرهم نحو 23 ألف معلم ومساعد. وعقد الديوان الذي تشرف عليه وزارة التربية اتفاقيات مع عدد من القطاعات الأخرى للمساهمة في تحقيق هدف «الجزائر بلد بلا أمية» عند حلول العام 2016 واستجابت وزارات الدفاع والداخلية والشباب والرياضة والتكوين المهني والشؤون الدينية والعدل والتضامن الوطني للطلب، وتساهم بتوفير الأقسام الدراسية والتمويل. ودفعت هذه الحركية إلى فتح مئات الأرقام الجديدة في مختلف بلدات ومدن البلاد تقوم عليها جمعيات مدنية تستفيد من دعم هذه القطاعات يتدفق عليها مئات الآلاف من طلاب التحرر من الجهل.
مسكنات مهدئة
أكثر ما يقلق السلطة والطبقة السياسية في الجزائر استمرار نسبة الفقر عالية بالمقارنة إلى إمكانيات البلاد المالية وقدراتها على توفير ترقية شروط العيش للجميع. فقد تراجع مؤشر الفقر إلى النصف خلال 15 عاما ـ حسب تقرير صدر العام 2010 عن المجلس الاقتصادي الاجتماعي ـ من 25 بالمئة العام 1995 إلى 12 بالمئة من مجموع السكان العام 2009. بمعنى ان الجزائر تحصى 4,3 ملايين فقير. هذه النقلة بالنسبة لدولة لا تتوفر على مقدرات الجزائر المالية الطبيعية والبشرية انجاز كبير، لكنها بالنسبة للجزائر تعني الفشل. ويعتقد عبد المجيد بوزيدي الباحث الاقتصادي والأستاذ بجامعة الجزائر ان اعتماد رزمة من الأرقام والبناء عليها للحكم على ان رقعة الفقر انكمشت إلى النصف أمر غير دقيق لأن الواقع لا يعطي بالضرورة هذه النتيجة. وأعاب على التقرير انه لم يبين مستوى المعيشة الحقيقي الذي اعتمده محرروه لتصنيف من قالوا إنهم يعيشون في مستوى الفقر. وقال بوزيدي تراجع الفقر في الجزائر أمر بيّن وواضح، لكن الوسائل التحليلية التي أوصلت إلى تحديد النتيجة المعلنة غير دقيقة. وحذر من انتكاسة كبيرة كون الاقتصاد الجزائري يعتمد على مصدر واحد هو عائدات المحروقات وهذا لا يهدد فقط الفقراء بالبقاء في فقرهم لكنه يهدد باتساع رقعة الفقر. وقالت ليلى منصوري وهي أيضا اقتصادية «لا أبالغ ان قلت ان أكثر من نصف العائلات الجزائرية قريبة من مستوى الفقر. معظمها تستهلك الراتب في أمور العيش ومواجهة الفواتير ولا تقوى على توفير مبلغ يمكن ان تقتني به كتابا» ووصفت الإجراءات التي اتخذتها الدولة بـ«المسكنات» التي لا تضمن الاستقرار. في إشارة إلى جملة من التدابير الاجتماعية التي اتخذتها الدولة في الأعوام الأخيرة للتخفيف على الفقراء. ولمواجهة الفقر وما يحمله من تهديد لسلامة المجتمع أطلقت الجزائر مع بداية العام 2010 برنامجا واسعا لإعادة إسكان تلك العائلات في شقق جديدة تتوفر على لوازم التحضر، وهدمت العشرات من الأحياء العشوائية. وفضلا عن هذا الإجراء المتعلق بانتشال عشرات الآلاف من عائلات الصفيح، طبقت الحكومة الجزائرية خطة تشغيل لامتصاص البطالة وهو وجه من أوجه محاربة الفقر. وتقدم مساعدات ومنحا شهرية للمحتاجين المسجلين على قوائم على مستوى بلدياتهم بما يسمى «الشبكة الاجتماعية» كما تقدم الأدوات المدرسية والكتب الدراسية بالمجان لنحو أربعة ملايين تلميذ. ورفعت أجور كل فئات العمال والموظفين والمعاشات والحد الأدنى المضمون للأجر من 100 إلى 200 دولار شهريا. وكان آخر قرار اتخذ هو تخصيص منح بطالة للعاطلين تكون كافية لتحقيق حاجاتهم في انتظار الحصول على شغل.
