طوال الزمن.. لم يكن هناك سوى الود والحب الذي يجمع العراقيين، الذين لم يعرفوا التمييز الديني أو القومي أو المذهبي.. كان السلم الاجتماعي هو السائد والغالب، حتى تبدلت ظروف، ليصل الأمر إلى حد الاقتتال الطائفي والعرقي، الذي يرى الكثيرون انه مازال قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، لان من تتحكم بـ«صاعقها»، أطراف خارجية، تمكنت من تأجيج فتنة، قسمت النسيج المجتمعي العراقي «سياسياً»، إلى طوائف وأعراق وأقليات، في وقت تنفر غالبية الشعب العراقي من هذه التقسيمات.
وفي مجمل الوضع العراقي، يرى المراقبون أن الولايات المتحدة، والحكومات التي أنجبها الاحتلال، أخفقت في إدارة البلد، وفي مختلف المجالات، بينما هناك قراءات أخرى تشير إلى أن هذا «الإخفاق» أمر مقصود، في إطار ما تسمى «الفوضى الخلاّقة»، التي تهدف إلى التهديم، من اجل إعادة صياغة البلد، على وفق رؤية الرأسمالية الأمريكية، وهذا ما اتضح جليا من خلال حقيقة أن الولايات المتحدة لم تحتل العراق لتخليصه من «الدكتاتورية»، لان ما جاء بعدها كان كارثة حقيقية، دمرت النسيج الاجتماعي العراقي، كما دمرت العراق بشكل عام، كبلد له خصوصيته الضاربة في أعماق التاريخ.
هناك من يتهم الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، ومجلس الحكم الذي أسسه، بتخريب الدولة وحلّ الجيش ووزارة الإعلام، بل كل الوزارات، وكل منشآت ومقومات الدولة، إلا أن ذلك الاتهام لا يقوم على أساس من الصحة، لأن بريمر، ومعه مجلس الحكم، ليس سوى أدوات تنفيذية، لقرارات كانت متخذة مسبقا. ومن ابرز ما جاء به «بريمر»، كحاكم تنفيذي، بدعة «المناطق المتنازع عليها»، والتي لم يكن هناك أي تنازع حولها في أي وقت من الأوقات.. ناهيك عن كون مصطلح «المناطق المتنازع عليها»، يشير إلى خلاف بين دولة وأخرى حول مناطق محددة، وليس بين محافظة وأخرى، أو مدينة وأخرى، في بلد واحد.
ويرى مراقبون سياسيون أن القرارات التي اتخذها بول بريمر، في هذا الصدد، وبالأخص ما يتعلق بمحافظة كركوك، كانت من ضمن ما هو مرسوم، ولكنها أخضعت إلى أخذ ورد، وتجاذبات، وربما حتى إيصال الموضوع إلى حافة الانفجار، لتتدخل الولايات المتحدة كـ«حمامة سلام»، أو «المنقذ الضرورة» الذي لا غنى لأية فئة عنه، من اجل حفظ التوازن، ونزع فتيل الأزمة، وإحلال السلام!
وفي الواقع إن عموم المادة 140 خضعت لمساومات سياسية لإدراجها في الدستور، بينما هي الآن لا تحظى بالتأييد سوى من التحالف الكردستاني، والى حد ما من المجلس الأعلى الإسلامي، الذي كان قد تبنى فكرة فيدرالية الوسط والجنوب، وإعادة ترسيم الحدود بين محافظتي الأنبار وكربلاء، وضم منطقة النخيب المحاددة للمملكة السعودية إلى كربلاء، باعتبارها منفذا للحج.
