ظاهرة جديدة غريبة أصبحت تهدد كيان المجتمع المصري بأسره، فهي ليست مجرد مشكلة أفرزها غياب الوعي، لكنها كارثة حقيقية.. فعندما تغيب الفتاة عن بيتها وتتركه وتهرب، يصبح هذا الأمر كارثة تهدد سمعة الأسرة وتؤرق كيانها، وعندما تتحدث لغة الأرقام عن أكثر من ثلاثة آلاف فتاة يهربن من منازلهن كل عام، فهنا يمكننا قول إنها أصبحت ظاهرة، ورغم تعدد أسبابها وتنوعها فالنتيجة تكون دائما واحدة.. وهي هروب الفتاه من المنزل.. وراء كل فتاة قصة تصلح أن تكون فيلما دراميا قصيرا، نستعرض بعضها عبر السطور التالية.
تروي «منى ـ 20 عاما» حكايتها بعين فاضت منها الدموع ووجه شحبت ملامحه تماما، فأصبح مثل ورقة بيضاء اعتلتها الأزمنة، حيث قالت «توفيت أمي وبعدها توفى أبي بأعوام قليلة، لذا كنت أعيش مع أخي الأكبر الذي كان يسيء معاملتي، ويجبرني على العمل في البيوت لكي أجلب له نقودا ينفق بها على تعاطيه المخدرات، استجبت لهذا عدة مرات، وعندما رفضت العمل في البيوت ضربني بشدة، ووجه إلى لكمة عنيفة في أنفي أصابتني بعاهة مستديمة أعاني منها حتى الآن، لذا عدت مرة أخرى للعمل في المنازل من أجل جنيهات قليلة يأخذها مني أخي بمجرد عودتي إلى المنزل، تعبت كثيرا مما كان يحدث لي فقررت الهروب إلى الشارع والبحث عن حياه أفضل وأرحم من هذه التي كنت أعيشها مع أخي الظالم».
أما «ليلى ـ 15 عاما»، فتعرض حكايتها بطريقة لا تختلف عن منى، حيث استعرضتها بدموع غزيرة وملامح جامدة حزينة، وقالت «كان زوج أمي يعاملني بطريقه تأبى الحيوانات أن تعامل بها، كان دائما ينهرني ويضربني ويسيء معاملتي، وقام بطردي من البيت، فذهبت إلى أختي المتزوجة، ومكثت معها عدة أيام لكن أمي أحضرتني مرة أخرى إلى منزل زوجها، الذي لم يكف يوما عن مضايقتي، وفي النهاية حاول اغتصابي لكني أفلت من بين يديه وهربت إلى الشارع، وذهبت إلى منزل جدتي هذه المرة، ولكني سرعان ما قررت الفرار إلى الشارع لأني وجدت الحياة معها مملة وتتسم برتابة شديدة، فهي كثيرة الطلبات ودائمة الشكوى، فخرجت إلى الشارع باحثة عن عمل، وبالفعل وجدته في أحد محلات الأحذية، ووجدت سكنا مع إحدى زميلاتي بالعمل».
شبكة الانترنت
تقول «ياسمين ـ 20 عاما: هربت من منزلي ومن أسرتي بعدما أحببت شابا من خلال شبكة الإنترنت، وطلب مني أن أهرب لنتزوج عرفيا، فوافقت وهربت وتزوجته، واستمر زواجنا أكثر من 6 أشهر، وكنا نعيش في منزل أسرته الذين كانوا يعملون خارج مصر، حتى اكتشفت أنه مدمن لكل أنواع المخدرات، حاولت مرارا وتكرارا أن أنصحه بتركها لكنه لم ينصت إلى كلامي، وعندما أخبرته بأنني حامل قام بضربي ومزق ورقة زواجنا العرفي وسرق ورقتي كي لا أطالبه بشيء.. فكرت أن أعود إلى منزلي لأخبر أهلي بما حدث لكني خشيت أن يقتلوني أو يطردوني، فبحثت عن عمل في أحد محلات الملابس بعدما أنجبت طفلا ولكني لم أقم بتسجيله، فليست معي أوراق تثبت حق انتسابه لوالده».
تقول أمينة 22 عاما: انفصل والداي منذ أن كان عمري 10 أعوام، وبعد الانفصال عشت مع والدتي، وعندما ضاق حالنا ولم نجد معنا أي أموال للطعام أو العلاج أجبرتني والدتي على العمل، فلم أجد عملا سوى بيع المناديل في الطرق وعلى الأرصفة، لم تجدِ هذه الجنيهات القليلة في علاج أختي الصغيرة المريضة بمرض في القلب، وأصبحت الحياة من حولي كلها ضغوطات وأحزانا، أرى أختي الصغيرة تتألم ولم أتمكن من إنقاذها، وعندما أذهب وأطلب أموالا من أبي يرفض تماما ولا يهتم بشأن أختي مطلقا، فهربت من المنزل، وعملت في أحد البارات، واستطعت أن أجلب أموالا كثيرة أرسلتها إلى أختي الصغيرة لعلاجها، ولكني حتى الآن لم أعد إلى المنزل وقررت ألا أعود أبدا.
تقول عبير 25 عاما «أمي كانت مريضة بمرض كثرة الزواج، فدائما كانت تتزوج وتُطلَّق لتعود مرة أخرى وتتزوج، وكانت تشعر أنني عقبة في طريقها، كانت دائما تخطط لطريقة تفقدني بها، فكانت تسيء معاملتي حتى أهرب من المنزل، وساعدني على الهروب من المنزل زوجها، فخرجت إلى الشارع بعد أن قررت ألا أعيش تحت جحيم أمي».
الأسرة وراء الظاهرة
يقول د.علي فهمي، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، إن ظاهره هروب الفتيات من بيوتهن سببها الأساسي والأول الأسرة ونمط التنشئة بها والحالة الاقتصادية والاجتماعية معا، أما السبب الثاني فهو سبب نفسي، يتمثل في الشخصية الفردية لهؤلاء الفتيات، وهو تعرض هؤلاء الفتيات لبعض الظروف التي تجعلهن يقررن ترك المنزل، عن طريق الضغط النفسي عليهن.
ويضيف قائلا «ظاهرة هروب الفتيات ومعطياتها وما يحيط بها، يبدو ان علاجها معقد، فالمشكلة تكمن في الأسرة وبخاصة الآباء، وأيضا الهروب له أسباب أخرى متشعبة مثل الاكتئاب ورفض التجاوب مع البيئة العائلية والاجتماعية، والانفتاح غير المحسوب على العالم ومغرياته ومؤثراته.
ويرى د.علي أن الانحراف محصلة لكثير مما يحدث في المجتمع الآن، وهو ما يقود إلى نتائج معكوسة.
أما د.عزة كريم، أستاذ بالمركز القومي للبحوث الجنائية، فتقول «هناك أكثر من ثلاثة آلاف فتاة يهربن من بيوتهن كل عام، و75٪ من حالات الهروب من المحافظات الريفية والقرى، لكنها الآن أصبحت في كل المحافظات وبنسبة مرتفعة ومقلقة، الأمر الذي أدى إلى ما يشبه حالة الانهيار في شرائح واسعة من الطبقات المتوسطة في مجتمعاتنا العربية، وانعكس ذلك بصورة حادة على الأسرة والمجتمع من تداعيات الانهيار التي اصابت أعدادا هائلة من الفتيات للذهاب إلى الشارع هروبا من الضغوطات التي يتعرضن لها من الأسرة، ويكمن علاج هذه الظاهرة في وعظ هؤلاء الفتيات وعلاج مشاكل الأسرة، خاصة الأسر التي تحتوى على فتيات في عمر المراهقة، لأن الفتيات في هذه السن دائما ما يفكرن في التحرر من كل القيود، وعندما يتعرضن لأي مشكلة أو ضغط، سرعان ما يفكرن في الهروب من هذه المشكلة بهروبهن إلى الشارع والبحث عن الحرية المطلوبة.
