يجتمعون ويتكاملون ويسكنون مع بعضهم في المهاجر المختلفة كسودانيين، عُرفوا بالتكاتف والتصافي الاجتماعي، حتى لو فرقتهم الثقافات والمعتقدات ومعظمها بين الشماليين والجنوبيين، إلا أن ذلك لم يمنع أنهم ظلوا يشكلون حالة اجتماعية خاصة بين كل الجاليات في العالم.

وفي القاهرة ظهر ترابط المشاعر الوطنية لدى السودانيين بعضهم البعض وهذه المشاعر توحدهم منذ بداية التسعينات على وجه التحديد، أي منذ قدومهم مع المعارضة السودانية بحثا عن اللجوء السياسي أو الهجرة إلى الغرب عبر القاهرة. فقد ظلت مجالس السودانيين في المقاهي أو المطاعم السودانية الكثيرة أو الأندية السودانية المنتشرة في القاهرة وعدد من المحافظات تجمع حتى وقت قريب الشماليين والجنوبيين مع بعضهم البعض، ولكن بعد انفصال الجنوب عن الشمال قد يطرح السؤال نفسه في ظل المتغيرات التي حدثت بالفعل وهو: كيف يرون بعضهم بعد الانفصال، وما شكل التعامل الاجتماعي في المستقبل؟ جاء الحوار مع الطرفين بمحض الصدفة أثناء جلسة في أحد المقاهي بوسط القاهرة، كانت تجمعهم طاولة واحدة يتحدثون عن كل شيء إلا عن الانفصال.

 

لصالح الانفصال

تقول سيلين ـــ شابة جنوبية: «أدليت بصوتي لصالح الانفصال، وهذا حق مكفول لي لأنني أرى أنه الأفضل للطرفين، ولكن مهما كانت الظروف فلن يكون هناك انفصال اجتماعي، لأننا لا نختلف على مستوى علاقاتنا الاجتماعية بل نراهن عليها، ولكن الانفصال سياسياً هو الحل لمشاكل كثيرة كادت تمس الوحدة الاجتماعية للسودان. نحن نجلس الآن مع بعضنا، وسنجلس كل يوم، والأجيال من بعدنا أيضاً».

تدخل في الحديث جون أتيم قائلاً: «نحن كجنوبيين لا نضمر كرها لأي شمالي كلنا أصدقاء، وشعب الجنوب اختار مستقبله، وهذا حقه، فإذا توحدنا اجتماعيا سيكون الطريق ممهداً لتعاون كبير بين دولتين يمكن أن تحققا وحدة اقتصادية كبيرة، والجنوب قادر على حكم دولته الجديدة، ولكن لن يكون ذلك على حساب علاقاتنا الاجتماعية»، وقال جون إن الفرحة الكبيرة لأهل الجنوب بالدولة الجديدة هي فرحة طبيعية لأن الجنوبيين رأوا في وحدة غير عادلة حربا مستمرة، والانفصال يوقف الحرب ويهيئ مناخاً سليماً لبناء علاقات على أسس جديدة ومتكافئة مع الشماليين.

 

عالم خاص

أما عبد الرحيم صالح، سوداني شمالي مقيم بالقاهرة، فقال: «ماذا تتخيلوا أن يحدث عندما أجد غداً أن سيلين بنت بلدي وصديقتي من دولة ثانية؟، ويرد: حتى لو حدث ذلك فنحن علينا في المرحلة المقبلة الإبقاء على حياتنا الاجتماعية مزدهرة ومتواصلة وعدم السماح للسياسيين من الطرفين باللعب عليها، فهم لهم دهاليزهم وخطاباتهم ونحن لنا عالمنا الخاص المليء بالحب والقيم والأعراف التي لن تسمح لنا بالفكاك، وحاليا نحن في انتظار أصدقاء شماليين وجنوبيين ذهبوا لأحد السماسرة لتأجير شقة سيسكنون مع بعضهم البعض، لأننا سودانيون حتى لو انفصلنا».

 

لن نفترق

ويقول أحمد الطاهر: «الانفصال أصبح حقيقة كان لا بد منها يوماً، وما يدعو للاطمئنان أنه جاء عبر سبل ديمقراطية أعطت الجنوبيين حق الاختيار ولم يأت الانفصال بالحرب أو بالاستيلاء على الدولة وإعلان دولة الجنوب بقوة السلاح، ولكن لم أشعر لحظة ونحن نلتقي شماليين وجنوبيين أننا يمكن أن ننفصل اجتماعياً، بل بالعكس أشعر أننا نهرول تجاه بعضنا أكثر، وكأننا نريد أن يقول كل منا للآخر لن نفترق، هذه ليست شعارات لكنها حقيقة، بل نحن الآن نخطط شماليين وجنوبيين لعمل احتفالية لصديق قادم من هولندا، وهو أحد السودانيين المقيمين هناك، ولذلك أتمنى إجازة الحريات الأربع أو الجنسية المزدوجة، وهذا سيجعلنا نتواصل عندما نكون داخل بلادنا». وتحدث رياك أمادوا قائلا «هؤلاء الذين يقفون أمامكم شماليون مسلمون كنا مع بعضنا، والآن نحن ذاهبون إلى أحد المطاعم السودانية لنأكل مأكولاتنا الشعبية وأنا وهم نحب العصيدة و(الشية) والانفصال الذي سيعلن قريبا هو انفصال سياسي لن يتعدى ذلك، أما اجتماعيا فنحن كما نحن في مصر نعيش مع بعضنا ونتحرك مع بعضنا ولن يتغير الأمر، وأصدقاؤنا الشماليون يأتون إلى الكنيسة وهم مسلمون نجلس ونشرب شاي (المغرب) سويا داخل الكنيسة ونخرج سوياً، وإن كنا نشعر بقلق من أن تتعثر المفاوضات حول المستقبل الاجتماعي للسودانيين بشأن تواجد الطرفين مع بعضهما في الشمال أو الجنوب. نحن نحتاج إلى قرارات عاطفية تعبر عن واقع اجتماعي وليست قرارات يمكن أن تفصل بيننا».

 

نستعد للمرحلة القادمة

وقال كمال عبد العزيز، طالب دراسات عليا، «حتى نكون أكثر صراحة إن الحكومة والحركة الشعبية قد عملتا على تقطيع الصلات العظيمة بين الشماليين والجنوبيين ليحقق كل منهما أهدافه، وهذا انعكس بشدة على الحالة الاجتماعية مثل تلك التظاهرات والاحتفالات الجنوبية بالانفصال في مصر والجنوب، وهذا أثر معنويا علينا كشماليين، وكان يمثل استفزازاً لمشاعرنا رغم أننا ندرك أن هذا عمل منظم من الحركة الشعبية، وقد خلق قدرا من التوتر في علاقاتنا الاجتماعية، ولذلك عندما نجلس نخشى الخوض في القضايا السياسية حتى لا نخلق مزيدا من التوتر، ولكن على المستوى الاجتماعي بعيداً عن السياسة نحن أقرب الناس لبعضنا والمطاعم السودانية والمقاهي السودانية تجمعنا سويا كل يوم، حتى بعد إعلان الانفصال سنأكل ونشرب من أنواع واحدة تمثل ثقافة الجميع. نحن الآن نستعد للمرحلة القادمة، ولكن لا ندري ماذا يخبئ لنا السياسيون في حياتنا الاجتماعية».

 

الجواد الرابح

وفي حفل سوداني كبير على نيل القاهرة كان هناك مئات من السودانيين، خليط من الجنوبيين والشماليين رقصوا على أنغام الأغنيات السودانية وتمازجت الألوان واللهجات والمشاعر، وردد الجميع بصوت واحد تلك الأنغام الشجية، وهمست في أذن أحد أصدقائي الجنوبيين: يا أخي بعد إنشاء دولتكم ماذا ستعملون؟ رد بسرعة شديدة «يا أخي مع أغنيات وردي ومحمد الأمين وجمال فرفور لا توجد دول، توجد مشاعر ووجدان. وقال «لقد تشكل وجداننا منذ مئات السنين ولن تغيره الظروف بين يوم وآخر وبالتالي نحافظ على وحدتنا الاجتماعية»، هكذا كان رأي رمضان ماجوك قبل أن يهرب مني إلى داخل الحلقة ليرقص مع أنغام الفنان صلاح سلطان والمطربة آسيا مدني.

هؤلاء هم السودانيون بعد انفصال الوطن، يراهنون على الجواد الرابح وهو الوحدة الاجتماعية، التي قد تقود إلى وحدة سياسية جديدة ولو بعد حين، وقد تقود إلى مصالح أكبر من الوحدة إذا صفت النفوس ووضع الموروث الاجتماعي الثري بين أبناء الشمال والجنوب في الاعتبار. حقا لقد وحدت المشاعر الوطنية بينهم رغم انفصال الوطن.