يواجه اليمن تحديات عدة من بينها تلازم الفقر والأمية الذي ينعكس سلبا على الارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية ويعيق تحقيق أهداف الألفية للتنمية المستدامة على الرغم من الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة اليمنية. ووفقا للتقديرات الرسمية تتراوح نسبة الأمية مابين 35 للذكور و60 ٪ وتسجل آخر تراجع عداد الأميات في اليمن من 76,3 ٪ في عام 1994م إلى 60 ٪ عام 9002، نسبة الالتحاق للبنات تقدر بنحو 61٪ مقارنة بنحو 86٪ للفتيان. وارتفعت نسبة الأمية بين الفتيات فوق الخامسة عشرة من العمر لتصل إلى 71٪، فيما تتزايد نسبة الفقر بين الإناث الأميات مقارنة بمن حصلن على تعليم أكثر منهن وهو ما يحفز الجميع لبذل الجهد للقضاء على الأمية والفقر.
وحول العلاقة بين الفقر والأمية ترى مديرة البرنامج الاقتصادي في مركز سبأ للدراسات الاستراتيجية أورى البعداني: أنه قبل الخوض في تبيان العلاقة بين الأمية والفقر لابد من تجديد معنى الأمية مذكرة في هذا السياق بأنه ليس لها معنى واحد، بسبب الاختلاف في تحديد معايير التعليم والحد الأدنى من التعليم، إلا أن لجنة الأمم المتحدة للسكان في مطلع الخمسينيات ترى في الأمي ذلك الشخص الذي لا يستطيع قراءة عبارة مكتوبة بلغةٍ من اللغات.
فيما تعرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، «اليونسكو» الأمي ذلك الشخص الذي لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب بيانًا بسيطًا وموجزًا عن حياته اليومية. ويعد أميًا-من الناحية الوظيفية- كل شخص لا يستطيع ممارسة جميع الأنشطة التي تتطلب معرفة القراءة والكتابة أو يقتضيها حسن سير الأمور في جماعته ومجتمعه. كما أن هناك العديد من المصطلحات التي تعطي للامية معنى أوسع فهناك ما يمسى بالأمية الأبجدية، والأمية الوظيفية، والأمية الحاسوبية والأمية السياسية. أي يمكن إطلاق مسمى أمي على أي شخص يجهل القيام أو المعرفة بشيء معين.
وهنا نتحدث عن الأمية بشكل عام سواء أكانت أبجدية أو وظيفة آو تكنولوجية فجميعها تصب في قالب واحد وهو أمية التعليم فقد رفعت جميع المنظمات الدولية والعالمية المعنية بالتنمية والتقدم البشري شعار «الاستثمار في التعليم » فالتعليم ومحو الأمية أصبح يشكل أحد أهم أهداف الألفية التي التزمت بها دول العالم وتحقيقها بحلول العام 2015 وهي الفترة نفسها التي حددت لخفض نسبة الفقر إلى النصف .
علاقة جدلية
وترى البعداني أن ثمة تلازما بين القضاء على الأمية والتخفيف من حدة الفقر وفق منظور المنظمات والهيئات الأممية المعنية بالتنمية المستدامة على اعتبار أن هناك تداخلا وتشابكا بين متطلبات النمو، العنصر البشري المدرب والمؤهل يشكل اليوم دعامة مركزية من دعامات الانطلاق نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية. واستنادًا إلى التقرير العالمي عن رصد التعليم للجميع للعام 2006الصادر عن اليونسكو، يظهر بوضوح الصلة القائمة بين الأمية والبلدان الأكثر فقرًا. ففي بنغلادش وأثيوبيا وغانا والهند وموزمبيق ونيبال، حيث ثلاثة أرباع السكان أو أكثر يعيشون بأقل من دولارين يوميًا، فيما يبلغ معدل الأمية 63 ٪ .
وتخلص إلى أن : العديد من الخبراء يذهبون إلى أن ثمة علاقة جدلية بين الأمية وانتشار الفقر وبالتالي الأمية داء لا يصيب إلا الفقراء، وأيضا ينتج الفقر فمعدلات الأمية ترتفع بين الفئات الفقيرة المهمشة في الأحياء ولكن ليس باعتبار أن ألامية العامل الوحيد في انتشار الفقر ولكن يعد الأهم من بين جميع العوامل ففي بلد مثل اليمن يعاني من نسبة أمية مرتفعه حيث تشير التقديرات الرسمية آن نسبة الأمية للذكور والإناث تصل إلى 45,3 في المائة 29,6 في المائة بين الذكور و61 في المائة بين الإناث. فبلدنا اليوم يواجه تحديا كبيرا في قرن التطورات المذهلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في عصر المعرفة وطفرة المعلومات وفي ظل فشل سياسات التعليم تتفاقم حجم المشكلة.
مسألة ملحة
الدكتور محمد قرعة عضو مجلس الشورى من جهته يرى من أهم المشكلات التي توسع مساحات الفقر انتشار الأمية لأن الفرد الأمي أو الأقل تعليما ومعرفة تقل أمامه فرص الكسب والعمل وعندما يكون عائلا أو كافلا لأسرة ولا يجد فرصة بسبب محدودية ملكاته وقدراته العلمية والمعرفية فإن تلك الآثار تتعداه إلى كل أفراد العائلة مما يدرجهم ضمن فئة الفقراء، وغالبا فإن الأميين أو الأقل تعلما لا يجدون من سبيل سوى أن يعملوا بالأجر اليومي ،فيبقون عرضة لتقلبات العرض والطلب ولذلك فإن إزالة الأمية في هذا الوسط مسألة ملحة وعاجلة لأنه ثبت بالتجربة أن الذين تحسنت مستوياتهم التعليمية زادت فرصهم في الحصول على عمل وحسنوا من مستوى دخلهم .
ويرى عضو مجلس الشورى قرعة أن المدخل لمعالجة الأمية هو التوجه إلى أسبابها الأساسية كتوفير فرص متساوية للجميع في التعليم، وتطبيق التعليم إلزامية التعليم بدون قيود مؤسسية أو مالية وإلغاء كافة الرسوم الدراسية وتوفير المبنى المدرسي، والمعلمين ،والمواصلات، وكل اللوازم الضرورية التي تشجع الناس على التعليم انطلاقاً من المقتضى الدستوري الذي كرس الحق في التعليم والمساواة بين كافة المواطنين .
الشيء الأخر المطلوب لمواجهة هذا التحدي يضيف الدكتور قرعة: هو الشراكة المجتمعية والرسمية مثل : القطاع الخاص الذي يمكنه أن يساهم من جهته في هذا المجال ويضطلع بدور بدور خلاق عبر تقديم الدعم لمكافحة الأمية وكذلك خلق فرص عمل للشريحة الأقل تعلما وتحفيزها في الوقت ذاته على مواصلة التعليم ويساعد في القضاء على أميتها، أيضا هناك المجتمع المدني أو الأهلي الذي يعول عليه في أن يلعب دورا فاعلا فينشر الوعي والتثقيف .
خطة خمسية
الباحثة في العلوم الاجتماعية سهير عاطف تعتبر أن مشكلة الفقر في اليمن أهم التحديات التي تعيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأنها أصبحت تؤرق الحكومة والمجتمع والجهات المانحة. مشيرة إلى أن الفقر لم يعد يقتصر على نطاق الدخل والقدرة على تأمين الحد الأدنى من الغذاء والملبس والمأوى، وإنما يمتد ليشمل جوانب التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الأساسية الأخرى، ما أدى إلى بروز الأبعاد المختلفة لمشكلة الفقر .
ومع أن اليمن قد بادرت إلى معالجة هذه المشكلة بوضع استراتيجية مكافحة الفقر وخطط خمسة تنفذ بالتزامن مع الخطط الخمسية للتنمية الاقتصادية وتندرج ضمن التوجه العالمي للقضاء على الفقر في أفق العام 2015 إلا أن محصلتها لم تكن في مستوى توقعات تلك الخطط التأشيرية، إذ لم تسفر سوى عن تحسن طفيف في تراجع معدل الفقر من 41 عام 1999 إلى 34 ٪ عام 2006 طبقا للنتائج التي خلص إليها مسح ميزانية الأسرة والذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء وبدعم منظمات وهيئات أممية ــــ البنك الدولي، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ــــ إلا أن ذلك التحسن الطفيف سرعان ما لبث أن تغير ف السنوات اللاحقة نتيجة لتقلبات أسعار المواد الأساسية ف السوق الدولية وما ترتب عليها من انعكاسات سلبية على جهود مكافحة الفقر بددت الآمال في القضاء على هذه الظاهرة وفقا لتقديرات برنامج الأغذية العالمي التابع إلى مكتب الأمم المتحدة في اليمن الذي صنف اليمن ضمن 30 دولة في العالم من الأكثر تضررا من ارتفاع أسعار المواد الأساسية التي قد تؤدي إلى رفع نسبة الفقر مرة ثانية إلى 46 في المائة» وهو ما يعني أن المحاولات التي بذلت في مجال مكافحة الفقر خلال ما يزيد عن عقد ونصف لم تعد إلى نقطة البداية عام 1994 فحسب الذي بلغت فيه نسبة الفقر 41٪ بين السكان وإنما تعدت ذلك، ويبدو أن الزيادات في أسعار المواد الغذائية الأساسية «القمح، السكر، الزيوت، الألبان » التي بدأت مع نهاية العام الماضي 2010 ، واستمرت في تصاعدها منذ مطلع العام الجاري سيكون لها مضاعفات سلبية على مستوى الفقر في البلاد لاسيما أن واردات البلاد من الغذاء تتجاوز 80٪.
يبدو أن السلطات اليمنية مطالبة بتدابير وقائية على المدى القصير لمواجهة تصاعد الأسعار للمواد الأساسية فضلا عن تبني إجراءات تستهدف معالجات مشكلة الأمية والعمل على رفع وتيرة مكافحة الأمية بالقدر الذي يحقق الغايات المرجوة من استراتيجة القضاء على الأمية في أفق العام 2025، لكن ذلك يقتضي بالتوازي العمل على الحد من التسرب المدرسي ووضع حوافظ مشجعة على استمرار الفتيات في السلك التعليمي خاصة أن المعضلات التي تعيق تعليم الفتيات التقاليد الاجتماعية التقليدية وضعف المخصصات المالية المرصودة للتعليم في البلاد مقارنة بوتيرة النمو المتصاعدة التي تعد من أعلى النسب في العالم.
