في تقريرها الصادر مؤخراً، حول محو الأمية، قدّرت منظمة «الأونيسكو» أن في لبنان، وعلى الرغم من أن الوضع غير مقلِق مقارنة مع الدول العربية المجاورة، تصل نسبة الذين لا يملكون مهارات القراءة والكتابة إلى حوالي 16 في المائة، إلا أن أعداد المتسرّبين من التعليم هي في تزايد، وهناك تقديرات مقلقة عن نسب إعادة الصف والتسرّب، بدءًا من الصف الرابع الابتدائي، وخصوصاً بالنسبة إلى البنين.
وكون مفهوم محو الأمية لم يعد، في عصر التكنولوجيا، محصوراً بــ«فكّ الحرف»، إذ اتسع ليكون بمستوى التحديات وامتدّ ليشمل في دول كثيرة تطوير القدرات من خلال التعليم المستمر وصولاً إلى مفاتيح الكمبيوتر، فإن لبنان لا يبدو بعيداً من خطّ التطوّر هذا، والذي استأنفه في العاشر من شهر نوفمبر 2010، بإحياء وزارة الشؤون الاجتماعية «اللجنة الوطنية لمحو الأمية وتعليم الكبار»، والتي أعيد تشكيلها من جديد بعد مرور عقد ونصف على إنشائها.
هي الحاجة بدت ماسّة للقيّمين على الوزارة لمواجهة سلبيات الأمية على أكثر من صعيد، وبات من الضروري تأمين التعليم ومحو الأمية، خارج الإطار المدرسي والجامعي، باتجاه ما يسمّى بالتعليم المستمر، ما يساهم في إتمام برامج التنمية الاجتماعية التي تعهّدت بها (أي وزارة الشؤون الاجتماعية) على مستوى لبنان والمناطق الأقل إنماءً أو الفقيرة، بغية تطبيق برامج الإنماء المتوازن و«فق إستراتيجية وطنية واضحة وشاملة لا تستثني أياً من أصحاب الحاجة أينما وجِدوا»، وفق قول وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال الدكتور سليم الصايغ.
التعليم للجميع
والتزاماً بمبدأ «التعليم للجميع»، يوضح أن الدولة اللبنانية أنشأت «اللجنة الوطنية لمحو الأمية وتعليم الكبار»، بموجب قرار صادر عن مجلس الوزراء، وهي تضمّ ممثلين عن القطاعين الرسمي والأهلي والمنظمات الدولية التي تُعنى بمحو الأمية وتعليم الكبار، لافتاً إلى أن هذه اللجنة تسعى إلى تطبيق سياسة الوزارة، والقائمة على تأمين التنمية البشرية المستدامة والشاملة، وذلك من خلال «إعطاء مفهوم محو الأمية بعداً تنموياً وإنسانياً، لتصبح معه مهارات القراءة والكتابة وسيلة يستخدمها الأفراد من أجل بلوغ مستوى عيش أفضل».
ومن بوّابة تشديده على أن الحكومة اللبنانية «عازمة بالفعل على رسم إستراتيجية وطنية لتعليم الكبار»، دعا الصايغ إلى ضرورة إلغاء عبارة «محو الأمية» واستبدالها بعبارة «إستراتيجية وطنية لتعليم الكبار في لبنان».
وبحسب تعريف اللجنة، فإن الأمّي هو من لا يمتلك الحدّ الأدنى من قدرات القراءة والكتابة وإجراء العمليات الحسابية بما يمكنه من تطوير وعيه وقدراته وتوظيفها في عمله ومحيطه الأسري والاجتماعي.. لذلك، وتطبيقاً للشعار «أتعلّم كيف أتعلّم، أتعلّم لماذا أتعلّم، أتعلّم كيف أكون»، يتعلّم الأمّي كل ما له علاقة بالحياة التي يعيشها، بلغة تناسبه وتردّ على حاجاته الإنسانية وتمكّنه من استكمال تعليمه إذا أراد.
في الماضي، وفي ظلّ غياب الأبحاث الميدانية للتدقيق في المشكلة الأساسية لزيادة نسبة الأمية، تبيّن في تحقيقات خاصة أن المشكلة الأساسية التي تؤدّي إلى تزايد عدد الأميّين هي التسرّب المدرسي.. وقبل اكتشاف السبب الأساسي، تراكمت نسبة الأميّين وظهر التسرّب كأخطر المؤشرات التي تزيد هذه النسبة، إلى أن جاء الحل على الشكل الآتي: إقرار خطّة تربوية- تنموية جديدة خاصة بالتعليم الأساسي، وتعزيز التعليم الرسمي ضمن انعدام إمكانيات الأهل وفي ظل الوضع المعيشي الضاغط.. أما بعد كشف السبب الأساس للتسرّب، تبيّن أن 60 في المائة منه سببه التلقين وقسوة المدرّسين ونظام التعليم التقليدي في المرحلة الأساسية في المدارس الرسمية.
الفقر وراء التسرب
وفي السياق نفسه، تشير المديرة السابقة لبرنامج محو الأمية في وزارة الشؤون الاجتماعية الدكتورة أمال شرارة إلى أن «الفقر هو أحد أسباب التسرّب أيضاً، إلاّ أنه لا يسبّب الأمية بل العكس»، وتصف الوضع المعيشي في لبنان بـ«الجامد»، ما يزيد من المشاكل الاجتماعية، ومنها الأمية، والتي هي بالنسبة إليها «من أهمّ وأخطر معوّقات التنمية الاجتماعية»، أما الأميّون فـ«يخضعون للكثير من الأمور والضغوط، لأن لا قدرة لهم على التحمّل، وجلّ همّهم تأمين لقمة العيش».
واستناداً إلى خبرتها في إدارة البرنامج في وزارة الشؤون الاجتماعية، تشير شرارة إلى أن تفادي الأميّة في لبنان وعلاجها في مرحلة لاحقة يتوجّب تقسيم العمل إلى شقّين: الوقائي والعلاجي.. في الشقّ الأول، أقِرّت خطة النهوض التربوي التي طبقت في العام 1998 إلزامية التعليم النظامي في المدرسة، ما يعني «تعزيز علاقة التلامذة بالتكنولوجيا، وكان الهدف أن يقدّم هذا التعليم معرفة ومهارات حياتية ولغوية وعلمية للأولاد من سن الـ 6 حتى 16، على أن يتلقّوها بطريقة حديثة ويطّلعوا فيها على كل الأنشطة التي تتعلّق بالدراسات العلمية ويكتسبوا اللغات»، تقول، معربة عن أسفها لكونه «لم يصر إلى تطبيقه، لأن المدرّس غير مدرّب على الطرق التعليمية والتربوية، بالإضافة إلى أن عدم جودة هذا التعليم خلق فجوة للطالب في المرحلة الأولى منه، من السنة الأولى حتى السادس ابتدائي، وظهر رسوب متكرّر في الصف الرابع ابتدائي (الصف التقويمي) بنسبة 19».
تخفيض نسبة الأمية
وفي الشقّ العلاجي، تشير شرارة إلى أن وزارة الشؤون الاجتماعية أطلقت برنامجاً لمحو الأمية، يُعنى بتعليم الكبار ابتداء من عمر 15 سنة، وتحوّلت أيضاً اليوم إلى تعليم الأولاد من عمر 9 سنوات، لكن «التجارب أظهرت نقصاً في الجهاز البشري.. وهذا النقص غطّته بعض المدارس التي تتعاون مع الوزارة للتخفيف من جهد المشرفين على البرنامج، معلنة عدد المتسرّبين منها».
وللتخفيف من نسبة الأميين، التأمت الجهود بين وزارتَي التربية والشؤون، خصوصاً في مرحلة التعليم الأساسي، و«أتى العلاج باستهداف المتسرّبين، بالتعاون مع اليونيسيف والبلديات، وهناك تجارب ناجحة في هذا المجال»، حسب شرارة.
تجدر الإشارة إلى أن جهات عديدة جمعت جهودها للمساهمة في التخفيض من نسبة الأمية في لبنان، والى أن اجتماعات مكثفة وجِّهت في هذا الاتجاه أيضاً، للبحث في سلسلة عناوين، ومنها: مذكرة التفاهم التي تمّ توقيعها مع اليونسكو والتي قضت بتنظيم دورات تدريب مدرّبين لتحسين القرائيّة في لبنان ومحو الأمية لدى الكبار وما تضمّنته من مشاريع، أبرزها البرنامج الخاص بالقرائية والتعليم غير النظامي الذي يستهدف الفتيات والنساء.. بالإضافة إلى مشروع مذكرة التفاهم مع «مايكروسوفت» من أجل تطبيق برامج خاصة لمحو الأمية الإلكترونية والمعلوماتية، ومشاريع البرامج الموجّهة إلى الفتيات والنساء في الريف بهدف تعزيز الدخل العائلي من خلال مشاريع صغيرة في الريف على أن يتمّ العمل لتمويلها من الجهات المانحة.
ولكونه «مهما اختلفت البرامج التي تعتمدها الوزارة للإحاطة بأسباب محو الأمية، فلا يمكن منع التسرّب، إنما فقط مواجهته»، حسب تأكيد الوزير الصايغ، تنبّه الأمينة العامة لـ«اللجنة الوطنية لليونسكو» سلوى بعصيري إلى أن «نسب التسرّب المدرسي، ما قبل اجتياز الحد الأدنى المتعارف عليه لامتلاك القرائية، لا تزال ترتفع».
