يعتمد لبنان، في نظامه السياسي، صيغة التوافق بين الطوائف والاتفاقات المسبقة التي تحدّد لكل طائفة شريحة من «الكعكة» السياسية، وتُحتسب بحسب حجمها وقوتها، بحيث يصبح التنافس بين الطوائف مستحيلاً، وإلا سقطت الصيغة التوافقية وسقط النظام، فيما ينحصر التنافس في ظلّ هذه الصيغة التوافقية ضمن الطائفة الواحدة، أي بين أفرادها.

وفي ظلّ هذا الواقع، فإن مقاربة المواطنة في مجتمع متعدّد الأديان والمذاهب واللغات والأعراق، كلبنان، تعترضها معضلات تؤدي لدى العديد من الباحثين إلى اعتبار المجتمعات المتعدّدة مصطنعة ومزعزعة ولا تؤدي إلى اندماج وطني، وذلك لكون «مفهوم الدولة (القوية والعادلة) في هذه المجتمعات، والتي ينتظر منها المواطنون معالجة كل مشاكلهم، هو العائق الأكبر تجاه ممارسة مواطنة فاعلة وتحقيق التنمية على كل المستويات»، حسب الباحث الاجتماعي اللبناني أنطوان مسرّة.

«ليس الوطن مجرد أرض، بل علاقات بين الناس وهذه الأرض»، يقول الرئيس السابق لمجلس النواب اللبناني حسين الحسيني، مشيراً إلى أن العلاقات في المجتمعات المتعدّدة تشتمل على العناصر التالية: صورة الآخر التي قد تكون مشتركة بفعل منمطات ذهنية القبول بالاختلاف، أي بالآخر كما هو، مع العدول عن مفهوم الانصهار كما تمّ ويتم التداول به في لبنان، فالصهر يفترض حديداً وناراً، والتضامن تجاه مخاطر مشتركة تهدّد المصير المشترك، واعتماد مرجعية حقوقية في احتواء النزاعات، بدلاً من مرجعيات فئوية وبدلاً من الاستزلام والتبعية، لأنَّ الاستزلام والتبعية هما سلوك أتباع لا مواطنين، العدالة والمساواة والإدراك النفسي لمفهومَي العدالة والمساواة في المجتمع المتعدّد، إنماء مفهوم الفرد، الذي يتمتع بحقوق، بمعزل عن انتمائه إلى عائلة أو عشيرة أو طائفة وتحديد العلاقات مع الجوار، أي الآخر من بلد آخر.

 

دليل حيوية

وفي هذا السياق، يُعدّ لبنان من أكثر بلدان العالم العربي تعقيداً وتنوّعاً، فعلى الرغم من أنه أصغرها مساحة وأقلّها سكاناً، إلا أنه يضمّ أكبر مجموعة من التكوينات الطائفية والمذهبية.. أما التعدّدية الموجودة فيه، بحسب الرئيس الأسبق للحكومة الدكتور سليم الحص، فـ «دلالة حيويّة وعافية، وهي من الخصوصيّات الملازمة للممارسة الديمقراطية»، متسائلاً: «كيف تكون الديمقراطية إذا ما انتفت الفوارق بين فئات الشعب، فكراً أو معتقداً أو التزاماً او انتماءً أو ولاءً، في المفهوم السياسي؟».

أما في المفهوم الوطني، ومن بوابة تأكيده على أن «الشعب لا يعود شعباً، والمجتمع لا يعود مجتمعاً، إذا كانت التعدّدية تعني فوارق أساسيّة في ما يُفترض أن يكون من الثوابت الوطنية أو القومية»، يرى الحص أن «التعدّدية الذميمة هي التعدّدية الطائفية.. أما التعدّدية المطلوبة فهي التعدّدية السياسية، والتي تتجلّى في تعدّد الأحزاب والتيارات والتنظيمات والتحالفات، فيما لا يمتّ نظام الحزب الواحد إلى الديمقراطية بصلة». وتنديد الرئيس الحص بالتعدّدية الطائفية لا يعني التنديد بالتعدّدية الدينيّة، فـ «شتان بين الدين والطائفية.. الأديان رسالات تجمع على قيم سامية مشتركة، وتعدّها مصدر غنى فكري وروحي، فيما الطوائف عصبيات تفرّق، إذ تنزع كل منها عبثاً إلى إلغاء الأخرى».

ولأن لبنان «دولة رخوة»، كما يقال، يختصر الوزير السابق الدكتور جورج قرم مشهد هذا البلد، منذ نشأته، بأنه «مرآة للأوضاع الإقليمية والدولية.. وتقوية النظام الطائفي بشكل متواصل ومتصاعد جعل من الطوائف أجساماً سياسية بالدرجة الأولى وليس أجساماً اجتماعية، وهي الأداة التي من خلالها تتأثر الساحة اللبنانية بسياسات الدولة المهمّة شرقاً أو غرباً».

 

عمل عربي

ومن وحي التجربة اللبنانية، واستناداً الى التكامل بين الإنجيل والقرآن، يؤكد الوزير السابق كريم بقرادوني «أن يكون سلام الأديان عملاً عربياً، ردّاً على أطروحة إسرائيل في صراع الأديان»، مشيراً الى أن «لا تناقض بين المواطنية والطوائف، شرط توسيع المجال العام المشترك.. فهناك عبارة (ميثاق العيش المشترك)، و(الميثاق) هو ما يوثق ويربط».

 

تعبير مبتدع

بدوره، لا يستسيغ النائب اللبناني مروان فارس التعبير المبتدع في لبنان للتعبير عن التلاقي في حين أنها لا تؤكد إلا الافتراق، ومنها «التعايش»، فـ «أصول اللغة تعلّمنا أن التعايش طارئ أو مفروض أو مصطنع أو مؤقت أو استثنائي، وأن الشعب يكون واحداً وإن تعدّدت الانتماءات الطائفية والمذهبية لأبنائه أو لا يكون شعباً». ويعزو فارس أسباب جرائم الحرب الأهلية في لبنان الى عاملين: ثقافة ونظام، ويقول: «الثقافة الطائفية السائدة في لبنان، على مستوى النخب والجامعات والإعلام والمعاهد والمدارس والبيوت والأندية والإنماء، هي ثقافة مؤسّسة على التمييز الطائفي، الملزم بالتعايش في زمن السلم، على زغل، والمذهل في زمن الأزمات، للتناتش والتقاتل.. هي ثقافة رفض الآخر بالعقل والقلب معاً.. هي ثقافة تؤسّس مستواها المعرفي من خلال توظيف الذاكرة كحجّة على صحة عقيدتها الطائفية». أما المسؤولية الثانية، حسب فارس، فتقع على النظام اللبناني الذي «يرعى أو يتساكن مع هذه الثقافات وقواها الطائفية الحيّة، بذاكراتها الجمعيّة المفتونة بالانتقاء الدموي»،

الأقليات تعيش بسلام.. نجاح أردني في تطبيق نظرية التوافق

 

عمان ــ لقمان اسكندر

حَسَم الأردن منذ قيام الدولة ملف التعايش بين مكونات المجتمع الأردني بصورة ليست مشاهدة في العديد من البلدان العربية الأخرى التي تضم بين ظهرانيها مواطنين مسيحيين، كما حسم أيضا قضية الأقليات الأخرى التي وفر لها كل ما يمكن توفيره من حياة طبيعية وسط مجتمع عربي مسلم.

وكان وَفَدَ إلى أرض المملكة قبل وبعد إنشاء الدولة العديد من الأعراق والجنسيات والديانات في هجرات جماعية استطاعت إمارة «شرق الأردن» ثم لاحقا المملكة الأردنية الهاشمية استيعابهم ودمجهم في كيانها الجديد بمنحهم كامل الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية.

ومن بين هؤلاء أهل القوقاز «الشيشان والشركس» الذي فروا بدينهم الإسلامي من روسيا القيصرية فلجأوا إلى المنطقة ومنها الأردن، كما استوطن أرض المملكة حتى قبل تأسيسها أتراك وأرمن وسوريون ولاحقا فلسطينيون عاشوا فيها، فوفرت لهم منظومة الدولة مجتمعا لم يشعروا أنهم أغراب فيه يعيشون مواطنين من الدرجة الأولى لهم ذات الحقوق التي للأردنيين الأصلاء، وعليهم ذات الواجبات، باستثناء معادلة الفلسطينيين اللاجئين الذين فرضت عليهم ظروف بحكم القضية الفلسطينية، العيش في الأردن وفق معطيات لا سبيل الآن لسردها. بل إن البعض يرى أن الدولة الأردنية ربطت النظرية دائما بالتطبيق في هذه الممارسة بنفس حساس حتى بالغت فيها، فيكاد البعض من أفراد الأكثرية يتمنى أن يكون شركسيا أو شيشانيا أو مسيحيا، بل حتى شاميا جراء ما تتمتع به الأقليات من ميزات مقدّرة. وفي حال وَقَعَ باحث على شرح مستفيض عن العشائر الأردنية فانه لا بد ويجد من بين هذه العشائر فصلا عن «الشراكسة والشيشان» كأحد تلك العشائر. ووصل الأمر بالعدالة «السياسية» التي حازها الشركس والشيشان في الأردن أن شرعت لهم منذ عشرات السنين كوتا في قانون الانتخاب فرضت فيه وجود نسبة معينة في مجلس النواب من الشيشان والشركس. وكان الاحترام الذي حازوه من القصر والملوك الأردنيين الأربعة مسألة بالتأكيد تدعوهم إلى الفخر والارتياح.

وبينما اندمج الشركس في المجتمع حتى ذابوا فيه، حافظ الشيشان على صيغة تعايشية، لم تخرجهم من قوقازيتهم، كما لم تبعدهم عن أردنيتهم. أما الأتراك، فما زال المئات من الأردنيين الفخورين بدمائهم التركية ولكن اندماجهم في المجتمع الأردني امتاز عن الشركس والشيشان، بأن اندمجوا في ألوانه حتى لم يعد يفرق احدهم بين كونه من أصول أردنية أو من أصول تركية.

ولم يمنع محافظة الشيشان على دمائهم قوقازية نقية دون أن يختلط جلهم بعلاقات اجتماعية مع «العرب» ادمج الشركس في كل ما هو أردني، حتى لا تكاد تدرك منهم من لا يرتبط بعلاقات قربى مع «العرب». أما حال الأتراك فأشد عمقا مما هي حال الشركس، رغم أن الفرد منهم يحرص على التأكيد أحيانا على ارتباط دمائه بالدماء التركية.

ويقول مدير مركز التعايش الديني رجل الدين المسيحي نبيل حداد ان بين المسلمين والمسيحيين الأردنيين علاقات يعتز بها الأردنيون مبنية على أسس من التسامح وحرية المعتقد والاحترام المتبادل وهي نموذج في المنطقة والعالم. والمركز الأردني لبحوث التعايش الديني تأسس عام ‬2003 وهو مؤسسة غير حكومية تنظم عدة برامج في التعايش الديني ومنها «شباب من أجل التعايش» و«أئمة من اجل التعايش» و«نساء من اجل التعايش». ويعمل المركز على تطوير برامجه اعتمادا على القيم الدينية واحترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والتسامح والاحترام المتبادل. ويستقبل المركز الباحثين من الجامعات والمؤسسات البحثية الأردنية والعالمية.

ووفق مدير المركز حداد فإن التسامح يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد وانه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا. وفي الحقيقة، لم تسجل ذاكرة الأردن حادثة واحدة تتناقض مع فكرة التعايش الديني بين المسلمين والمسيحيين، وهي ميزة لم تدعمها الدولة بقوانينها وحسب بل وشددت عليها حتى اعتبرتها في مصالح أمنها القومي.

وهو ما يؤكده حداد عندما قال إن الأردن ظل على الدوام أسرةً كبيرة واحدة، ولا يخفى على منصف في هذا العالم نموذج الاعتدال والتسامح الذي يقدِّمه هذا البلد للتعايش الودي في المنطقة والعالم بأسره بفضل المبادئ التي رسخها النظام الهاشمي ومارسها الأردنيون.

ويتقلد المواطنون من الأقليات سواء العرقية أو الدينية في الأردن أعلى المناصب في الدولة، بل إن بعض من هذه الأقليات من فاق نظراءه الآخرين من حيث المناصب التي وصل إليها في الدولة.

وتمكن النظام السياسي في الأردن من بناء معادلات بنيوية ناجحة تمكنت من تمتين الوضع الأردني الداخلي، ومن هنا يرى البعض أن الأمر بحاجة إلى تدقيق لمزيد من التمتين ولكن ليس في شق الأقليات ولكن «المجموعات الكبيرة» في إشارة إلى اللاجئين الفلسطينيين.

وبالعودة إلى التسامح واحترام الآخر بين أبناء الشعب الأردني قال حداد انه يفضي إلى أن لا يلغي أحد الآخر ولا تلغي طائفةٌ طائفةً أخرى، فهذا ليس من حق أية جماعة أو فئة مهما بلغ عدد أتباعها، والمملكة مثال للتعايش والتسامح.

 

الجزائر.. لا وجود لخلافات دينية أو مذهبية أو طائفية

 

الجزائر ـــ مراد الطرابلسي

في العام ‬2006 صدر عن البرلمان الجزائري قانون سمي «قانون تنظيم الشعائر الدينية لغير المسلمين» فكان فاتحة لنقاش غير مسبوق حول وضع الأقلية المسيحية التي لا تتعدى نسبتها ‬0,6 بالمائة من السكان. ولم يكن المبادرون برد الفعل كاثوليكاً وهم أغلبية مسيحيي الجزائر عبر التاريخ ولكن الكنيسة الانجليكية التي تعد فرعا جديدا، وتعتبره السلطات الجزائرية «دخيلا» ومرتبطا بالسياسة أكثر مما هو دين. وانتقدت هذه الكنيسة ومعها قوى خارجية في الولايات المتحدة خاصة القانون الجديد واعتبرته تمييزيا عنصريا. فيما اتهمت وزارة الشؤون الدينية وجمعيات إسلامية كثيرة هذه الكنيسة بممارسة التبشير وتحويل المسلمين عن دينهم وهو سلوك غريب عن الكنيسة الجزائرية. ومن بين من عارضوا هذا السلوك أيضا الكنيسة الكاثوليكية التي تعتبر التبشير إخلالا بتوازن وامن المجتمع. وفي العام ‬2008 نشبت في مدينة «بريان» الواقعة بقلب الصحراء مصادمات بين أتباع المذهب المالكي وهم سنة يدعون بنسبهم للعرب وأتباع المذهب الاباضي وهم أيضا سنة لكنهم أمازيغ من سكان الجزائر الأصليين. وأدت المصادمات إلى سقوط قتلى وجرحى من الجانبين. وقبل هذا بكثير وقعت مواجهات بين اليهود والمسلمين في مدينة قسنطينة خلفت قتلى وجرحى. ومع هذا فان الباحث في شؤون التاريخ الثقافي والديني في الجزائر الطاهر بن عائشة أكد أن «الأمور في الجزائر كانت عبر الزمن هادئة لما يشبه التناغم السائد في الدين والعرق والمذهب. فأكثر من ‬99 بالمائة من الجزائريين مسلمون ونحو ‬99 بالمائة من هذه النسبة سنيون مع أن الجزائر كانت منطلق الشيعة الذين توجهوا منها شرقا وبنوا الدولة الفاطمية على ضفاف النيل. وباستثناء نسبة قليلة جدا من الاباضيين، فإن المذهب موحد في الجزائر كما الدين». واستبعد حدوث أي شرخ ديني أو مذهبي رغم ما تروج له بعض القنوات الإعلامية من وجود نشاط تبشيري مسيحي وآخر شيعي في عدد من مناطق البلاد. واعتبر هذه الأخبار «مجرد مخاوف ترى إمكانية استنساخ بعض الحالات القائمة في المشرق العربي» ويشهد مصطفى بن ناصر وهو من أتباع جمعية العلماء المسلمين في الثمانين من العمر ان الصدام الذي وقع في ثلاثينيات القرن الماضي بين المسلمين واليهود لم يكن أبدا على خلفية دينية بل كان بإيعاز من شرطة الاحتلال الفرنسي لنشر الفتنة وتبرير موجة قمع ضد الجزائريين. وقد ندم الطرفان على ما حدث ووقع صلح بينهما برعاية الشيخ العلامة عبد الحميد ابن باديس مؤسس ورئيس جمعية العلماء المسلمين وقتها. وإذا كانت العداءات على خلفية الدين والمذهب منعدمة او نادرة لكون البلد موحدا دينا ومذهبا، فان اللغة في الجزائر هي اكثر عناصر التعبير حضورا. فنحو نصف عدد السكان يتحدثون الامازيغية لغة الجزائريين القديمة ونصفهم الآخر يتحدث العربية. ومن الامازيغ من لا يحسن العربية كما من الناطقين بالعربية من لا يحسن الامازيغية إطلاقا، لكن لم يحدث ان وقعت مواجهات بين الجانبين. والأحداث التي شهدتها منطقة القبائل العام ‬1980 ثم في العام ‬2001 حسب علي غربي احد أهم أعيان منطقة القبائل واحد قيادات حركة الاحتجاج العام ‬2001 «كانت مواجهة بين السكان والسلطات المركزية وليس على أساس تمييز بل للمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية وثقافية في مقدمتها الاعتراف بالامازيغية لغة وطنية إلى جانب العربية». وقال ومع هذا التنوع فان الجزائر لا تعتمد أسلوب المحاصصة بخصوص المسؤوليات وسبق ان ترأس الجزائر رئيس امازيغي وأقربهم الجنرال اليمين زروال ‬1992 ـ ‬1998 وقبله الرئيس هواري بومدين «‬1965 ـ ‬1978» والاثنان من «الشاوية» وهو فرع كبير من بربر الجزائر يمتد على ولايات عديدة شرق البلاد. والوزير الاول الحالي احمد أويحيى من القبائل وكان رئيسا لغرفتي البرلمان من القبائل ايضا وهما المرحوم البشير بومعزة وكريم يونس. ورئيس المخابرات الجزائرية منذ الاستقلال إلى ‬1980 كان قاصدي مرباح وهو من القبائل والرئيس الحالي لذات الجهاز الجنرال محمد مدين أيضا من القبائل أما الرؤساء احمد بن بللا والشاذلي بن جديد ومحمد بوضياف وعبدالعزيز بوتفليقة فنطقهم عربي. وفي مؤسسات الدولة المنتخبة لا يوجد تمثيل بحسب الدين او اللغة أو أي مميز آخر بل التمثيل على الأقاليم والمناطق والنائب في البرلمان مثلا يمثل سكان الولاية التي انتخبته بصرف النظر عن اللغة التي يستحدثونها او الدين او اللون. المهم أنهم جزائريون من ذلك الإقليم. ويؤمن الجزائريون بأنهم «امازيغ عربهم الإسلام». فالفتوحات الإسلامية وجدت الجزائر بلدا كبيرا قائما استقر به بعض الفاتحين والدعاة وتزوجوا كلهم ـ حسب بيانات تاريخية ـ من نساء محليات اذ لم ترفقهم نساء عربيات بمعنى انه لا يوجد في الجزائر عربي صرف، بل هم خليط من العرب والبربر. واللغة البربرية تتفرع إلى عدة فروع في مناطق مختلفة من الجزائر فمنها «القبائلية» وربما هي الأكثر انتشارا والأكثر حرصا على البقاء، و«الشاوية» و«الترقية» لغة طوارق الصحراء وهم الوحيدون في الجزائر الذين يستخدمون حتى الآن في كتابتهم الحروف الليبية القديمة. وهنا أيضا «بني ميزاب » و«الحسانية» بأقصى الجنوب الغربي و«الشنوية» قرب العاصمة و«الشلحية» بأقصى شمال غرب البلاد. وتلتقي لهجاتهم بحدود ‬25 بالمائة ولكل منها فسحة واسعة من التخصص. ولا تكاد تجد عائلة جزائرية واحدة غير مختلطة فالمصاهرة والانتشار حولا العائلات الجزائرية إلى فسيفساء داخل فسيفساء المجتمع المتنوع. حتى ان الناس باتوا يضحكون على مطرب من القبائل رفع شعار «الحكم الذاتي للقبائل» وكان أول من تهكم عليه سكان منطقته لان القبائل منتشرون في كل الجزائر وان كانت أربع ولايات منها يمثلون فيها الأغلبية لكنهم أيضا يمثلون نسبة عالية جدا من سكان العاصمة مثلهم مثل الناطقين بباقي اللهجات.

مقبرة مشتركة مسيحية إسلامية في رام الله تعزيزاً للترابط الديني

 

لجأت بلدية رام الله، العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية، إلى إقامة مقبرة إسلامية مسيحية مشتركة، للتغلب على مشكلة التزايد السكاني في المدينة، ولتعزيز التآخي والوحدة بين أبناء الشعب الواحد. وتخطط البلدية أيضاً لإقامة مسجد وكنيسة جنباً إلى جنب في المقبرة. وتحولت رام الله في السنوات الأخيرة، عقب إقامة السلطة الفلسطينية، من مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها عشرين ألفاً إلى مدينة كبرى يزيد عدد سكانها على ‬170 ألفاً.

ونشأت الزيادة الجديدة في عدد سكان رام الله من العائدين مع مؤسسات منظمة التحرير من الخارج، ومن القادمين من مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية للاستثمار والعمل والإقامة في المدينة التي باتت مركزاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. وأدى الارتفاع المتزايد في عدد السكان إلى زيادة الطلب على المصادر والمساكن، ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الأراضي زاد بكثير عن أسعارها في أوروبا أو أميركا. وقالت رئيسة بلدية رام الله جانيت ميخائيل لـ«البيان»، ان الأعداد الكبيرة من السكان الجدد في رام الله كانوا في حاجة أيضاً إلى مقبرة. وأضافت: «ونظراً لأن هؤلاء السكان من الديانتين المسيحية والإسلامية، وبسبب الارتفاع الهائل في أسعار الأراضي، قررت البلدية إقامة مقبرة مشتركة مسيحية إسلامية، لتكون بذلك أول مقبرة مشتركة في فلسطين وربما في العالم العربي. وقالت ميخائيل ان وجود مقبرة مشتركة هو احد مظاهر الوحدة وعدم الفصل بين أبناء شعب واحد، مشيرة إلى أهمية المشروع في تعزيز الوحدة الوطنية خاصة في وقت تنشأ فيه النزعات الطائفية في كثير من المواقع. ورحب رجال الدين من الطائفتين بوجود المقبرة المشتركة لكنهم اشترطوا الفصل بين القبور. وقال الدكتور إسماعيل نواهضة خطيب المسجد الأقصى: «نحن المسلمين لا نرى أية غضاضة في وجود مقبرة مشتركة». وأضاف: «كل ما نطالبه هو ألا تختلط القبور معاً». وقال الأب الدكتور فيصل حجازين راعي كنيسة اللاتين في رام الله إن إقامة المقبرة المشتركة «يشكل مثالاً للتسامح والتعايش بين أبناء الشعب الواحد». وأضاف: «نحن أبناء وطن واحد نتعلم معاً، ونعيش معاً، ويجمعنا وطن واحد، فلماذا نفصل بين موتانا في القبور، فلا يوجد لدينا أي مشكلة بدفن أموات المسلمين بجانب موتانا».

ويقول المسؤولون في بلدية رام الله إن المشروع واحد من المشاريع التي تجسد وحدة الشعب الفلسطيني في المدينة. وقالت رئيسة البلدية: «مدينة رام الله لجميع أبنائها، الكل له الحق في الحياة والعمل بصورة مشتركة متساوية في المدينة والأمر ذاته ينطبق على الموت». وأضافت: «وجود مقبرة مشتركة يعني أن الناس يعيشون معاً ويموتون معاً ويدفنون معاً في ذات التراب، وهذا تعبير عن وحدة الشعب».

 

رام الله ـ محمد إبراهيم

باحث سعودي: هناك من يعادون الأديان بخطط جهنمية هدفها التفرقة

 

الاحتقان بين المسيحيين والمسلمين في بعض دولنا العربية والذي يتأجج نتيجة حادثة هنا أو هناك، ثم يهدأ مع مرور الوقت ليعود من جديد ليتأجج، بات موضع نقاش ومحور اهتمام لدى السياسيين والمفكرين بحثا عن مخرج يحقق التجانس والتعايش في أطر دينية توحد ولا تفرق، تجمع ولاتشتت، وذلك على أرضية ثابتة قوامها المواطنة بعيدا عن النعرة الطائفية والقبلية والإثنية والعقائدية. فالتعايش الديني ضرورة بشرية لتحقيق السعادة والأمن والاستقرار بين الناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم وأجناسهم وثقافاتهم.

الباحث الأكاديمي في شئون الأديان والمحلل السياسي السعودي الدكتور علي بن عبد الرحمن العطية قال إن الديانات الأكثر انتشارا وذات النفوذ العقائدي على مستوى العالم هي بلا منازع المسيحية والإسلامية، وقد عاش كل منهما ولأمد طويل وليس ببعيد في ظل أجواء الطمأنينة والتعايش السلمي حتى برز دعاة التفرقة لحل النزاع بقبضة الأمن بدلا من المعاملة الحسنة، ليستفيدوا من ذلك في تحقيق مآربهم في السيطرة العالمية.

وأضاف قائلا هذا يحيلنا إلى الفكرة الصهيونية التي تعادي تلك الأديان وبشكل صريح ولكنها وبخطط جهنمية تفضل أحدهما على الآخر، وهو تفضيل من باب التفرقة بينهما وليس من باب التفضيل المقرب.

وحذر من وجود عدة عقبات تواجه التعايش الديني بين العرب، من أهمها أن يكون هذا التعايش مجالا لصهر الأديان وتذويبها بحيث يتخلى إتباع ديانة ما عن الثوابت لصالح دين آخر ليكون مرضيا عليه، وكذلك محاولة إثارة الفتنة بين أتباع ديانة معينة وأتباع ديانة أخرى من خلال استهداف الأنبياء والرموز الدينية مثل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الدنمارك عام ‬2006م أو استهداف أماكن العبادة مثل الهجوم الذي وقع ليلة رأس السنة الحالية على كنيسة الأقباط في الإسكندرية والذي يمثل عنفا شائنا ضد التعايش السلمي بين الأديان.

وأشار إلى أن من حق كل إنسان أن يتجه لدينه ويجعله وسيلة إيمانه، لكن بدون إشاعة الحروب العسكرية والنفسية والثقافية، لأن الاصطدام بمشاعر المؤمنين يؤجج العداوات.

وأضاف قائلا الإسلام ظل على مبدئه التاريخي في الجنوح للسلم والحوار والتعايش الديني لأنها طوق النجاة من الغرق في المحيط الهائج الذي توارثته البشرية، ومن خلالها يمكن تجاوز المتطرفين دينياً وسياسياً.

كما أن المسيحية المتمثلة في الإنجيل، مملوءة بالتعاليم التي تلزم المسيحيين بالتعامل مع بقية أبناء الأديان الأخرى بالمحبة والتسامح وعدم نبذ الآخر المختلف عقيدة ولونا، وشكلا، وان المحبة هي الشعار الرئيسي للدين المسيحي.

 

الرياض ـــ عبدالنبي شاهين