شهدت بعض العواصم العربية خلال الآونة الأخيرة حوادث انتحار متعددة، على خلفية حادث الشاب التونسي محمد بوعزيزي، حيث أقدم شباب من الجزائر ومصر وموريتانيا على تكرار نفس الفعل احتجاجاً على ظروفهم المعيشية السيئة، ورغم فتوى مجمع البحوث الإسلامية بحرمة إقدام المواطنين على الانتحار بحرق أنفسهم، فإن الجدل بين علماء الدين والاجتماع لا يتوقف في ظل ظهور بعض العلماء الذين رفضوا اعتبار المنتحر حرقاً كافراً، باعتبار أنه يكون فاقداً عقله أثناء إقدامه على الانتحار.. وما بين هذا وذاك، كان هذا التحقيق..
كان مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر، قد ندد في الفتوى الصادرة عنه، بالفتاوى المتشددة التي تطالب شباب الدول الإسلامية بإحراق أنفسهم، والثورة في بلدانهم سعياً نحو التغيير، مؤكداً أن التغيير له ضوابط شرعية، وأن تلك الدعوات تتنافى مع ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وتتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ النفس والبدن.
وأشار مجمع البحوث في فتواه إلى أن هناك مسائل كثيرة بديلة للإصلاح تحفظ النفس والبدن، وله من هذه الوسائل السلمية ما يحقق حفظ النفس كمقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية وحفظ الغير، ولا يمكن أن تحفظ مقاصد الشريعة بهلاك النفس.. فما كان العنف سبيلاً أبداً إلى السلم، فالعنف يولد العنف، والدم يلد الدم، وكما قال الله تعالى: «والفتنة أكبر من القتل»، فالانتحار بكل أشكاله وأنواعه حرام، وهو يأس وهلع وقنوط من رحمة الله، وإنه «لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون»، فالمسلم معرض للابتلاءات، وعليه أن يصبر عليها حتى ينجو.
قاعدة شرعية
وتعليقاً على ذلك، يرى د. عبدالمعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الحفاظ على النفس عموماً من الضروريات التي أقرها المشرع بتجريم الاعتداء عليها وجعل العقوبة تبدأ بالقصاص وتنتهي بالدية، أما في ما يتعلق بإقدام البعض على الانتحار، فالإسلام حرم الانتحار بصفة عامة كقاعدة شرعية لأي سبب كان، كما توعد من يقتل نفسه بالخلود في نار جهنم باعتبار هذه النفس ليست ملكاً له، حتى يتصرف فيها بطريقته، لقوله سبحانه وتعالى «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي».
من هذا المنطلق يرى بيومي أن ما يحدث الآن في بعض الدول العربية يعد اعتراضاً على شريعة الله، وأن من يفعل ذلك عن قصد وإرادة حرة تقليداً للشاب التونسي بوعزيزي هو انتحار محرم شرعاً يؤدي بصاحبه إلى النار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيًها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً..».
وأشار بيومي إلى أن الذي يواجه مشكلة عليه أن يسعى إلى حلها بالطرق المشروعة بدلاً من الإقدام على خطوة يلقى خلالها حتفه ويكون عاصياً لأوامر المولى عز وجل، مؤكداً أن الشاب الذي يقدم على الانتحار يخطئ في حق نفسه باعتقاده أن هلاكه فيه إصلاح للدنيا، لكنه في الحقيقة إهدار لإسلامه وإزهاق لروحه في إشارة من بيومي إلى وجود وسائل سلمية تحقق ضغط النفس والبدن.
فتاوى متشددة
بدوره ناشد د. أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر السابق، الفقهاء الذين يطلقون فتاوى تبيح الانتحار للخروج على الحكام، مراعاة تعاليم الإسلام الذي حرم القتل والانتحار والتحريض عليهما، وقال: العنف لم يكن يوماً سبيلاً إلى السلم فالدم يلد الدم، والإقدام على الانتحار قنوط من رحمة الله، لأنه «لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» والمسلم معرض لابتلاءات وعليه الصبر. واستطرد هاشم مؤكداً أن الفتاوى المتشددة التي تحض الشباب على الخروج على الحكام وتغيير الأوضاع بالقوة وسفك الدماء هي فتاوى تخالف الشريعة تماماً، لأن علماء الأمة على مر العصور يرون أنه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا في حالة خروجه عن الإسلام؛ نظراً لأن الفتنة التي تحدث عقب الخروج على الحاكم أكبر بكثير من الوضع قبل الثورة لما فيها من مفاسد وسفك للدماء وتضييع للحرمات.
وحذر رئيس جامعة الأزهر السابق من تحول عمليات الانتحار إلى موضة بين الشباب، مؤكداً أن الانتحار يأس في غير محله ينهى عنه الإسلام، فلا يمكن تبرير الانتحار لمجرد الظروف الاقتصادية والاجتماعية غير المواتية، ولنا في رسل الله القدوة الحسنة، فقد تعرضوا لأذى لا يطيقه البشر فصبروا وجاهدوا حتى وصلوا لمبتغاهم، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى «أم أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب».
كفر بقضاء الله
بدورها أكدت د. سعاد صالح، عميد كلية الدراسات الإسلامية الأسبق بجامعة الأزهر، أن الحكمة من حرمة قتل النفس أنها كفر بقضاء الله، لأن المولى عز وجل هو الذي يحدد ميعاد الولادة وميعاد الوفاة لكل شخص، بينما المنتحر هو من يحدد ميعاداً للوفاة، وهذا ليس من حق المخلوق، ولكن من حق الخالق وحده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة» رواه البخاري، ودلالة ذلك أن ديننا الحنيف يعتبر حياة الإنسان أمانة لديه ليس له الحق في إنهائها، بل عليه المحافظة عليها حتى يستردها الله منه لقوله تعالى «ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً».
وأشارت صالح إلى أن من أبرز الحقوق التي أثبتها الإسلام حق الحياة وحفظ النفس بمختلف الوسائل، فشرع أكل الطيبات لعدم هلاكها والتداوي أيضاً، وشرع القصاص أيضاً للمعتدى عليها، مشيرة إلى أنه عندما تحل المصائب على الإنسان لا بد أن يصبر حتى ينال جزاء الصبر ولا يقدم على الانتحار بأي وسيلة من الوسائل لقوله تعالى «إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب» ولقوله صلى الله عليه وسلم «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه»، وهكذا يتجلى دور الإيمان بالله والقضاء والقدر والتحلي بالصبر عند الشدائد.
القاهرة ـــ دار الإعلام العربية
العودة: الانتحار حرقاً.. حرام
الرياض ـــ عبدالنبي شاهين
أكد الشيخ سلمان العودة، أن تكرار الظاهرة الغريبة من إحراق النفس في العديد من البلاد الإسلامية؛ نذير يدل على ما آلت إليه الأمور من اليأس والإحباط وانسداد الآفاق الحياتية التي تعزز الأمل والتفاؤل.
وقال الشيخ سلمان إن الجواب بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أن هذا مما لا سؤال فيه عن «رأي»، بل حكم الله وحكم رسوله، صلى الله عليه وسلم، المجمع عليه خلفاً وسلفاً أن قتل النفس محرم وكبيرة من كبائر الذنوب؛ توعد الله عليها بقوله سبحانه: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً) (النساء: من الآية30،29)
وأورد من الأحاديث النبوية التي تدل على حرمة قتل النفس حرقاً: «عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، وفي لفظ: «مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
وأوضح العودة أن الظروف العصيبة التي يعيشها الكثير في العالم الإسلامي تفسر ما يحدث، ولكنها لا تبرره ولا تجيزه، على أننا يجب أن ننأى عن الحكم على الأعيان والأفراد؛ فإن هذا مما استأثر الله به، وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن قَطَعَ بَرَاجِمَهُ بمَشَاقِص فَشَخَبَتْ يَدَاهُ فَمَاتَ.. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ» رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه..
وذكر الشيخ سلمان العودة أن الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم، إلا أنه يقرر مسألة واضحة متفقاً عليها، وهي أن المنتحر لا يكفر بمجرد الفعل، بل هو من عصاة المؤمنين.
ودعا حكومات العالم الإسلامي إلى ضرورة المعالجة الفورية لظواهر الظلم والتجاهل، ومشكلات البطالة والفقر، والاندماج في مشاريع تنموية جادة، ومحاربة الطبقية والفساد المالي والإداري والاستئثار بالثروة؛ حفاظاً على سكينة المجتمعات وأمنها، وقياماً بما أوجب الله من العدل بين الناس (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: من الآية 58).
وحذر من أن الفقر مدعاة لكل شر، وكان علي -رضي الله عنه- يقول: «لو كان الفقر رجلاً لقتلته»، وفي الأثر: «كاد الفقر أن يكون كفراً».
وكان المفتي العام للسعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ قد أفتى في وقت سابق بتحريم قتل النفس حرقًا للاحتجاج، داعيًا المسلمين إلى «الصبر والاحتساب». وقال «إن قتل النفس حرام حتى وإن كانت الظروف المعيشية صعبة»، مؤكدًا «أن قتل النفس بالإحراق جريمة نكراء».
