أصبحت العقائدية الطائفية سواء الدينية أو المذهبية أو العرقية، مصدر الخطورة في أي مجتمع، والمهدد الأول للتعايش بين فئات المجتمع في أية دولة، والمدخل الرئيسي والمفضل لكل من يرغب في العبث بوحدة وأمن واستقرار أي مجتمع وأي دولة، وتسعى أطراف عدة للعب على هذا الوتر خاصة في منطقتنا العربية، يساعدها في ذلك بعض السياسات الخاطئة للحكومات العربية، وكثير من التشوهات التي أصابت ثقافتنا وعلاقتنا بالآخر.
وبالرغم من حالة الانسجام التي تبدو واضحة بين فئات الشعب المصري، غير أنه كان هناك دوماً بعض النيران تحت الرماد تنتظر من ينفخ فيها ويؤججها، ويصب عليها الزيت ليزيد من اشتعالها، ملفات عدة ظهرت على السطح مؤخراً ربما تكون بفعل فاعل، وربما تكون قد ظهرت بعد أن فاض الكيل بأطرافها المختلفة، النوبيون في أقصى جنوب مصر، ومحاولات تحريضية مستمرة لتدويل قضيتهم، بدو سيناء وصداع لا ينقطع في رأس النظام المصري خاصة وأنه في أكثر المناطق خصوصية وحساسية للأمن القومي المصري.
وقبل كل ذلك وبعده، الاحتقان بين المسيحيين والمسلمين، والذي يتأجج نتيجة حادثة هنا أو هناك، ولكن ما يلبث أن يهدأ مع مرور الوقت ليعود من جديد ليتأجج، غير أن الوضع في الشهور الأخيرة يؤكد أن مسيحيي مصر يعيشون فوق صفيح ساخن، فمن أحداث كنيسة العمرانية في شهر نوفمبر، إلى الحادث الإرهابي لكنيسة القديسين في آخر ليالي العام المنقضي، إلى حادث إطلاق النار على عدد من المسيحيين في قطار المنيا.
لا اضطهاد بل مشكلات مزمنة
اللواء دكتور نبيل لوقا بباوي وكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشورى المصري ــ وهو مسيحي ــ يؤكد في البداية على أن المسيحيين في مصر لا يعانون اضطهاداً، وأن تلك الكلمة تعني وجود اضطهاد ممنهج على المستويين الرسمي والشعبي، وهذا غير موجود، مشيراً إلى أن المسيحيين يعانون من مشكلات مزمنة منذ ما يزيد على المائة عام، ومنها مشكلة بناء الكنائس.
وقال إن هناك مشكلات، لم يعد يجد معها الخطاب الإعلامي الذي كان سائداً في عهد الرئيسين عبدالناصر والسادات، الذي كان ينفي وجودها، ويؤكد أن كل الأمور على ما يرام، مشدداً على ضرورة أن يتم مواجهة المشكلات وفقاً للقانون وأن يكون القانون هو الحكم بين الجميع.
وحول أهم المشكلات التي يعاني منها المسيحيون في مصر قال بباوي تعتبر أول وأخطر مشكلة ترميم وبناء الكنائس، موضحاً أن تلك المشكلة قائمة منذ عام 1856، وأن نصفها تم حله، ألا وهو الترميم، حيث أصدر الرئيس مبارك قراراً في لعام 1988 يقضي بأن يكون ترميم الكنائس من اختصاص المحافظين، ثم أصدر قراراً في وقت لاحق بأن يكون ضمن اختصاصات الإدارة المحلية. وأضاف إنه فيما يتعلق بالنصف الآخر من المشكلة وهو بناء الكنائس، فهناك مشروع قانون موحد لبناء دور العبادة سواء المساجد أو الكنائس، ولكنه يلاقي معارضة شديدة من التيارات الإسلامية، وتخشى الحكومة من ردود الفعل.
أما المشكلة الثانية فتتمثل في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، حيث ان القانون الحالي يبيح الطلاق لتسعة أسباب، رغم أن الإنجيل لا يسمح بالطلاق إلا لعلة الزنى، ولذلك يرفضه البابا شنودة، وعندما تصاعدت المشكلة بعد صدور حكم من المحكمة الإدارية العليا بإلزام الكنيسة بالسماح لبعض الحالات بالزواج الثاني، وهو ما رفضه، وأبطلت المحكمة الدستورية هذا الحكم. ولما عرض الأمر على الرئيس مبارك، أمر بإيجاد حلول قانونية للمشكلة.
أما المشكلة الثالثة التي يعاني منها الأقباط هي عدم تولي المناصب المهمة والحساسة، صحيح أنه هناك في كل حكومة ما بين وزيرين أو ثلاثة، وصحيح أنه تم مؤخراً تعيين محافظ مسيحي، ولكنه غير كاف ونحن نطالب بأن يكون شغل المناصب القيادية بالدولة على أساس الكفاءة، وليس على أي اعتبار آخر، سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو أي شيء آخر، معرباً عن اعتقاده بأن هذه المشكلة في طريقها للحل بنسبة 100 في المائة، ولكنها تتطلب تغيير ثقافة المجتمع.
تعمق الطائفية
ومن جانبه، يؤكد الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الطائفية تعمقت في مصر بعد أن غيب الحكم أي أمل في تغيير أو إصلاح سياسي، وبعد أن أضعف الأحزاب وحاصر القوى الاحتجاجية الجديدة وجعل رموز المجتمع ونجومه هم رجال الدين ولاعبو الكرة وبعض الممثلات الهابطات، مشدداً على أن هذه الطائفية ستعرف مزيداً من التعمق وستصل لمرحلة الخطر بعد أن حصل الحزب الحاكم على ؟؟ في المئة من أصوات الناخبين وصدق بعض قادته أنفسهم حين تصوروا أن هذا النصر الكاذب نتيجة عبقرية تنظيمية وليس تزويراً في الانتخابات.
وقال الشوبكي إن المصريين محبطون من النظام السياسي برمته ومن الفشل الحكومي المتتالي والذي من شأنه أن يعمق إحساس الجميع بالغربة والاضطهاد، ويجعل هذا الإحساس مضاعفاً عند المسيحيين الذين اضطروا للتعايش مع شعارات المسلمين عن عظمة دينهم، في حين أنهم قدموا في الممارسة اليومية نموذجاً نادراً من التدين المغشوش، حافظ بامتياز على الفساد والرشوة والمحسوبية والتحرش الجنسي وكل القيم التي تتناقض مع مبادئ أي دين.
فهم خاطئ
أما الدكتور أحمد علي عثمان أستاذ مقارنة الأديان بالأزهر الشريف، فيرى أن أتباع الأديان المختلفة أساءوا لأديانهم قبل أن يسيئوا لأنفسهم وأوطانهم، بالفهم الخاطئ لتعاليم دينهم، ودينهم مما يفعلون براء، مشدداً على أن الأديان السماوية جميعها تستهدف إعمار الأرض وعبادة الله، ونشر المحبة والسلام وحسن المعاملة والمعاشرة والمعايشة، وهذه هي فحوى ومحور جميع الأديان السماوية وجميع التعاليم التي حملها الرسل إلى أقوامهم.
وأضاف عثمان إن أتباع الأديان السماوية، حملوا الأديان السماوية فوق ما تحتمل وتشددوا وغلوا في دينهم، على غير حق، فظهر الكثير من الشيع والأحزاب والجماعات والملل والنحل، فظهر المتشددون، وظهر المفرطون، وأسند الأمر إلى غير أهله، واستهين بالدين، وأصبحت الفتوى مشاعاً ومرتعاً لمن يعلم ولمن لا يعلم، وأسيء إلى الدين من أتباعه قبل أعدائه، الأمر الذي وجده أعداء الأمة فرصة سانحة للصيد في الماء العكر للوقيعة بين فئات المجتمع الواحد.
