تعتمد وظيفة «الجرسونة» أساسا في عائدها المادي على «البقشيش»، ودائما ما يفضل أصحاب المحلات والفنادق الفتيات للقيام بخدمة الزبائن، فهن الأقدر من وجهة نظرهم على التعامل مع الزبون، رغم أنها مهنة شاقة تفرض على الواحدة منهن أن تكون واقفة أو متحركة طوال وقت العمل الذي يتعدى الثماني ساعات يوميًا في أغلب الأحيان ولا يزيد راتبها على الثلاثمائة جنيه في الشهر، ومع ذلك يشترط أصحاب المحلات الكبرى أن يكن هؤلاء الفتيات جامعيات.. والسؤال: لماذا يقبل الفتيات على هذه المهنة رغم النظرة المجتمعية تجاهها؛ بارتباطها بالخادمة من ناحية، وانتظار «حسنة» أو عطية وهي البقشيش من ناحية أخرى، وما مدى قناعة المتقدمات لهذه الوظيفة وكيفية تأقلمهن مع متطلباتها ومشكلاتها المتعددة مع بشر تختلف سلوكياتهم وطبائعهم ورغم ذلك الابتسامة منهن مطلوبة في كل الأوقات وضبط النفس وطاعة الزبون فهو دائما كما يتردد على حق حتى ولو لم يكن عليه؟
يربط الكثيرون بين النظرة المجتمعية المتواضعة لـ «الجرسونة» والبقشيش.. لكن «هانم.م.ح» قالت: إن تلك النظرة نظرة خاطئة من المجتمع فهي وظيفة مثلها مثل أي وظيفة أخرى مثل السكرتيرة حيث تؤدي مهام لخدمة مديرها وموظفيه وتنفذ الأوامر، كما أن الناس تتعامل معها باحترام شديد.
وفيما يتعلق بالبقشيش، أشارت إلى أنه ليس إلزاميا فهو متروك للزبون وهو تقليد سائد في كل الدول، لكنها لفتت أنهن يتعرضن إلى مضايقات كثيرة في مجال عملهن من الزبائن وحتى من العاملين وأحيانا أصحاب المحلات أنفسهم وقد تصل هذه المضايقات إلى حد التحرش أحيانا، ولكن الجرسونة كإنسانة تستطيع أن تدافع عن نفسها وحقوقها جيدا طالما ارتضت هذه المهنة، وقالت هانم إنها لا تتنكر لوظيفتها في أوساط المجتمع المحيط بها؛ لأنها عندما قبلت الوظيفة كانت على قناعة تامة بأنها وظيفة محترمة.
أما سامية فتقول: بعد تخرجي في الجامعة بقيت في المنزل 3 سنوات لم أحصل خلالها على وظيفة، وعندما طرحت عليّ صديقة فكرة العمل معها كجرسونة ترددت كثيرًا حتى أقنعتني زوجة أخي وشجعتني على قبولها باعتبارها فرصة نادرة وكان مرتبي في بداية عملي 180 جنيهًا في الشهر، ولكن وجدت البقشيش يوفر لي مبلغًا يزيد على الـ600 جنيه شهريا بينما إذا عملت في وظيفة حكومية لن يزيد راتبي على 300 جنيه.
مضايقات الزبائن
واستطردت: كان صاحب العمل قد طلب مني قبل تسلم الوظيفة التعامل مع الزبائن بلطف شديد والتحدث معهم كثيرًا حتى يمضوا وقتا أكبر ويتناولوا مشروبات أكثر؛ لأن ذلك سيزيد من قيمة البقشيش أيضا، ولكني لم أكن معتادة أن أتحدث مع الغرباء بلطف.. أخاف أن يفهموني خطأ وتحدث مشكلات لا يرغب فيها المحل، وموقفي هذا سبب لي كثيرًا من المضايقات خاصة عندما يصر الزبون على الحصول علي رقم هاتفي وأتحايل أحيانا وأطلب منه رقم هاتفه هو حتى لا يغضب نتيجة رفضي المباشر، وذلك دفعنا لتكون لدينا شريحتان إحداهما نستعملها وقت العمل ونعطيها للزبائن ونغلقها بعد انتهاء العمل خوفا من مضايقاتهم.
الحاجة فاطمة إسماعيل امرأة في نهاية الستينات من العمر كانت تجلس في إحدى الكافيتريات مع بنتها وزوجها وأولادهم، توجهنا لها بالسؤال: ماذا يا حاجة إذا قالت لك بنتك إنها ستعمل جرسونة؟ انتفضت من مكانها غاضبة، وقالت «سأرفض طبعا وإلا لن تكون بنتي وأنا أرى الآن أمامي فتيات في عمر الزهور يضحكن ويداعبن الزبائن» وأشارت إلى أن هذه تعد فضيحة في العائلة إذا علموا بأن إحدى بناتها جرسونة.
فهم خاطئ
وهنا يعلق د. سمير عبدالرؤوف أستاذ علم الاجتماع، أن وظيفة الجرسونة كوظيفة مثلها مثل سائر الوظائف، وإنها سائدة في كل العالم ولكن نحن كشرقيين أحيانا ننظر إلى الأمور بمنظور مختلف انطلاقا من عصبية قبلية أو موروثات اجتماعية أو نتيجة المفهوم التقليدي للوظيفة بعد التخرج مثل «طبيب ـ مهندس ـ صيدلي ـ أستاذ جامعي» أو غيرها من الوظائف التي يحلم بها كل أب وأم لابنه او ابنته، وهذه النظرة انعكست بشكل مباشر على تفكير المواطن الذي بدأ يتعامل مع الفتاة الجرسونة بأنها مسكينة وضحكتها أو اهتمامها بالزبون يعنى أنها ربما تكون في متناول أي شخص وهذا الفهم قد يشجع البعض على الإلحاح على الجرسونة للتعامل معهم بغير ما تحدده متطلبات وظيفتها.
وإذا كان هذا رأي علم الاجتماع بأن هناك مواقف كثيرة لا يخلو منها عمل الجرسونات، فبعض هذه المواقف أيضا تناولتها صفحات الحوادث قبيل فترة، حيث نشرت إحدى الصحف المصرية أن أحد الزبائن تتبع جرسونة ترفض دائما الاستجابة لدعواته خارج محل العمل حتى عرف مسكنها وهي تسكن مع أمها المريضة وطرق عليها الباب وعندما فتحت له دخل دون استئذان وحاول التهجم عليها أي اغتصابها، فما كان من الفتاة للدفاع عن نفسها إلا الدخول إلى المطبخ هروبا منه وتناولت أقرب سكين وقتلته.
لكن منال قالت إنها لم تجد مضايقات ورفضت التوجيهات التي تطلب منها تجاوز أخطاء الزبائن في حقها أو السكوت على خروجهم عن مهام وظيفتها، وأشارت إلى أنها تقدم الخدمة بكل أدب وبدون مجاملة تزيد على حدها، وقالت «أقوم بعملي وفق متطلبات الوظيفة وأقدم خدماتي للزبائن بشكل مرضٍ، ولكن أغلب الزبائن كانوا غير راضين عن تعاملي معهم بهذا الشكل، وأخيرا فهموني واحترموني وكان آخرهم «سامي» الذي طلب مني بأدب شديد أن يتحدث معي ورفضت وبعد عدة محاولات وافقت على أن أتحدث معه داخل المطعم وطلب الزواج مني ولدينا الآن طفل والحمد لله».
اضحك وأجامل
فاطمة شابة بسيطة كلية التجارة قالت: بالفعل البعض منا قد تزوجن من الزبائن وهذا يعبر عن نظرة المجتمع الخاطئة لوظيفة الجرسونة، وقالت أنتم تطلقون عليها اسم جرسونة ولكن في الحقيقة هي «مضيفة» وتساءلت: لماذا ينظر الناس لمضيفة الطيران نظرة فخر وإعزاز وهي تقدم نفس الخدمة لا تقل ولا تزيد؟ فهن مضيفات ونحن مضيفات أيضا، وأضافت: لكني للأسف أنا أسكن في حي شعبي ينظر لي كجامعية ويفترض أن أكون في وظيفة مهمة، ولذلك تحرجت أن أقول لهم بأنني مضيفة أو كما يطلقون عليّ جرسونة واخترت مكانا بعيدا جدا عن سكني وفي منطقة راقية حتى أضمن عدم معرفة أهل المنطقة بذلك.
أما صفاء فقالت: أنا اضحك وأجامل الزبائن وأعطي رقم تليفوني لكل من يطلبه؛ لأني في أغلب الأحيان لا أرد على الزبائن خارج العمل، ولكن إذا رفضت إعطاء تليفوني يعني الحرمان من البقشيش أو يكون قليلا، وأشارت إلى أن البعض منا في ظل ظروفهن الاقتصادية يفعلن ذلك وينلن بقشيشا مضاعفا وغير ذلك أن أصحاب المحلات دائما ما يكونون سعداء بذلك؛ لأن الزبون الذي يتعلق بمضيفة يتردد يوميا على المحل، بل نحن نعرف كثيرا عن ظروفهم الاجتماعية وحياتهم الخاصة، وهذا لا يعني أن الجرسونة التي تتعامل هكذا منحلة أو غير مهذبة، بل بالعكس نفعل ذلك ونتمنى أن يسرع الزمن للخروج من جو هذه التنازلات التي تنتهي داخل المحل، وقالت صفاء: إن أي وظيفة فيها المنحرفات والمحترمات وفي وظيفتنا هناك الأغلبية ملتزمات بشكل كبير رغم مجاملاتهن للزبائن التي لا تتعدى جدران المحل، وأشارت إلى أنها في شهر رمضان تعمل ليلا وكسبت في هذا الشهر من البقشيش حوالي 1800 جنيه، واستطردت: لكن المعدل العادي لديها في غير شهر رمضان لا يقل عن الألف جنيه بجانب المرتب.
ذكاء المضيفة
وهنا يشير محمد محمود صاحب أحد الكافيتريات بشارع جامعة الدول العربية أن المضيفة عندما تبدأ عملها في المحل تكثر أخطاؤها من حيث التعامل مع الآخرين نسبة لحرصها على تنفيذ تعليمات صاحب المحل بدقة حتى يرضى عنها وتضمن الاستمرار في الوظيفة، ولكن بعد فترة واكتساب التجربة تبدأ تتعامل بشكل حذر وتقوم بتنفيذ التعليمات في حدود..
وعن نظرة المجتمع لهؤلاء الفتيات، قال إنها نظرة طبيعية نتيجة ما يتناقله الناس عما تتعرض له المضيفات من مضايقات ولكن ذكاء المضيفة هو الفيصل إذا كانت حريصة على حفظ كرامتها والاحتفاظ بوظيفتها.
ولكن «إلهام ك.س» قالت: أنا منذ اليوم الأول تحدثت مع صاحب المحل وأكدت له بأنني سأغادر إذا تعرضت إلى ما يمس سمعتي وكرامتي، وكنت متزمتة حتى وجه لي صاحب المطعم كثيرا من اللوم على هذا التشدد، ولكن بنصائح «أماني» وهي زميلتي ولها خبرة أكثر من 5 سنوات في نفس المطعم أفادتني كثيرا وغالبا ما تحذرني من زبون ما جلس على إحدى الطاولات أو تؤكد لي على نبل أخلاق آخر وتشجعني على الانفتاح معه؛ لأنه لا يفسر الأمور بشكل خاطئ وغير ذلك أنه كريم جدا في البقشيش.
مواقف صعبة
ومن أصعب المواقف التي تعرضت لها إلهام قالت، عندما جاء أحد الزبائن وعاكسني وفاجأني باسمي الآخر الذي لا يعرفه إلا أفراد أسرتي والمقربون ذهلت ولا أعرف من أين جاء به رغم أنه صحيح ينادوني به في المنزل، وصرخت في وجهه وظننت أنه يتجسس عليّ ويجمع أخباري وتجمع حولنا العاملون وبعض الزبائن ولكنه كان يضحك بينما أنا متعصبة جدا وأخيرا ضحك العاملون في المحل كلهم وتساءلت ماذا حدث؟ فقالوا لي أنه زوج أميرة زميلتي وصديقتي القريبة مني في المحل فهي تحكي له كثيرا عني فاعتذرت له كثيرا؛ لأنه جاء ليطلب مني أن أغطي وردية أميرة غدا لظروف أسرية.
أما مايسة فقالت إن أحد الزبائن الدائمين للمحل طلب أن يخطبها وذهب إلى منزلها وتحدث مع والديها قبل أن يأتي بأهله، وقالت: لم أكن أدرك أنه عصبي جدا، وأخيرا أيضا اكتشفت أنه شكاك وذلك عندما وجدني أتحدث مع زبون وأضحك معه حيث أسمعني كلاما فارغا والنتيجة أن قطعت صلتي به، ولكنه جاء بعد فترة يطلب الصفح وقال إنه نادم بعد أن اكتشف أن الذي كنت أضحك معه هو شقيقي الذي جاء من السعودية في إجازة وكان يرغب في التعرف إليه، ولكني تمسكت برفضي لهذه العلاقة وكذلك أخي الذي أكد لي بأنه غير مؤهل للزواج مني.
