في ظلّ الظروف الاقتصادية الضاغطة، بدأ بعض اللبنانيين منذ أربع سنوات، وتحديداً في المناطق الجبليّة، رحلة البحث عن الوسائل الأقلّ كلفة والأكثر وفرة لتأمين الدفء في فصل الشتاء، وفق قاعدة «الحاجة أمّ الاختراع».

ومن هذه الوسائل التي شهدت رواجاً لافتاً هذا العام بالتحديد «جفت» الزيتون، أي بقايا الزيتون بعد عصره، حيث باتت معاصر الزيتون تحوّل هذا «الجفت» إلى حطب للتدفئة بواسطة آلة تعمل على ضغطه وتحويله إلى قوالب يسهل وضعها في «وجاق» الحطب أو الصوبيا، وذلك بعد أن كان أصحاب الزيتون والمعاصر يجففونه ويضعونه في أكياس صغيرة من الورق ويوقدونه إلى جانب حطب السنديان والملّول وغيرها من الأشجار البرية.

وآلة الضغط هذه تحتاج إلى ما لا يقلّ عن خمسة عمال ليقوموا بتحويله إلى قوالب جاهزة للتدفئة، في ظلّ عملية تمرّ بمراحل عدّة، بدءاً من نهاية موسم عصر الزيتون حيث يقوم أصحاب المعاصر بتجميع الجفت وتخزينه حتى الصيف، ومروراً بقيام العمال برشّ «الجفت» بالماء ووضعه في آلة الضغط ليخرج من الناحية الأخرى على شكل قطع أسطوانيّة (وزن الواحدة ما بين ‬1000 و‬1200 غرام، وبطول يصل إلى ‬20 سنتيمتراً، وقطرها بين ‬10 و‬12 سنتيمتراً)، ووصولاً إلى تجفيف هذه القطع لعدّة أيام تحت أشعة الشمس، لتكون جاهزة لتسليمها إلى المستهلك، بعدما يتمّ تغليفها بورق صلب.

هي طريقة سهلة وبسيطة.. لكن الأهمّ يبقى أنها ذات فوائد جمّة، تعود على المستهلك ومزارع الزيتون وأصحاب المعاصر، وأيضاً على البيئة، حيث إنها، وفق قول الخبيرة البيئيّة ميسون حمزة لـ«البيان»، طريقة جيدة للتخلّص من زيبار الزيتون المتبقّي في جفته من جهة، وتحُدّ من قطع أشجار الأحراج التي تتضاءل مساحاتها عاماً بعد عام.

وفي معاصر الزيتون، بات «جفت» الزيتون بأهمية زيته لما يؤمّنه من وقود للتدفئة، خصوصاً مع وجود مكابس آليّة تحوّله إلى قوالب تدوم أكثر في المدفأة أو «وجاق» الحطب، كما بات بيعه شائعاً للسبب عينه، بعدما عرف الجميع أهميته التي توازي الحطب، إن لم يكن أكثر.

وهذا ما يشير إليه نعيم مرتضى، صاحب معصرة في البقاع ولديه آلة ضغط «جفت» الزيتون منذ أربع سنوات، مؤكداً أن في «جفت» الزيتون طاقة حرارية مميّزة تستمر لوقت أطول من الحطب العادي داخل «الوجاق»، فــسكل قطعة من الجفت يستمرّ اشتعالها حوالي ساعة مع قوّة حرارة مضاعفة عن الحطب العادي، وبإمكان ربّ العائلة توفير حوالي أربعين في المئة من ميزانية التدفئة الشتوية عند استعماله للجفت، فلا تتعدّى كلفة الموسم الـ ‬250 دولاراً، في حين أن الكلفة تتضاعف مع استعمال الحطب أو المازوت».. ويضيف: «الجفت» يوفّر فرص عمل إضافية في منطقة تعتمد بشكل أساسي على القطاع الزراعي وتوابعه، إضافة إلى كونه يحافظ على البيئة من التلوّث بزيبار الزيتون الذي يبقى «جفت» الزيتون مشبعاً به، وبدل التخلص من هذا الجفت في الحقول الزراعية وغيرها يتم تجميعه وتحويله إلى حطب للتدفئة، الأمر الذي يوفّر في الحطب الذي غالباً ما يؤمَّن من قطع الأشجار الحرجيّة.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن سعر طن «جفت» الزيتون المقولب يصل إلى نحو ‬250 ألف ليرة لبنانية، والعائلة لا تحتاج لأكثر من طنين منه لتأمين فصل شتاء دافئ، في حين أنها تحتاج إلى أكثر من مليون ليرة لتأمين التدفئة من المازوت، والذي لامس سعر صفيحته هذا العام ‬23 ألف ليرة، أو من حطب الشجر.