أن يضع رجل أردني عقيم نفسه تحت مبضع جراح، أو أن يدخل في دوامة الأدوية والتجريب العلمي لجعله ينجب، أسهل من اتباع سلسلة الإجراءات المطلوب على زوجين فعلها من أجل تبني طفل في الأردن.
الدولة حلت وجود الأيتام الذين لا يجدون مأوى لهم عبر آليتين: التبني الجماعي المؤسسي، وكفالة الأيتام.
«لم أظن أن الأمر بهذا التعقيد حتى جربت». قال رجل وبجانبه زوجه في مكتب تابع لوزارة التنمية الاجتماعية في معاملة تتعلق بطفل كان قد تبناه قبل عام.
«كلما أريد السفر أقف في المطار أمام رجل أمن لأشرح له قصة الولد الذي معي. وأُبرز أوراق تبنيه المطلوبة.. وأُحرج أمام الناس ويحرج طفلي.. لا خصوصية الأمر في غاية التعقيد». يتابع.
في الغالب يقلع العديد من الأزواج عن الفكرة، فهي على الأقل تحتاج إلى 5 سنوات من المتابعة. وبعد الموافقات تبدأ الخطوات الأشد صعوبة في الحصول أساساً على طفل.
عمر طفله اليوم 4 سنوات وكان قد تبناه منذ عام. حينها أعتقد أن إغفاءة الطفل في السرير بمنزل أسرته الجديدة هي آخر محطات المعاناة. ولكن من اختبروا التجربة طالبهم بعدم التفاؤل كثيراً؟ فالأمر أكثر تعقيد.
عندما فكر سليمان بالحصول على طفل بعد أن أعياه العلم طلباً للولد، كان وقتها يبلغ من العمر 31 عاماً، مما يعني أن عليه الانتظار أربعة أعوام إضافية، استناداً إلى الشروط القانونية لتبني الأطفال في الأردن.
«كل العراقيل وضعت أمامنا قبل تحقيق هذا الحلم» يقول، مشيراً إلى انه يحمل تقارير طبية من مستشفيات ومراكز حكومية بأنه عقيم «فلماذا كل هذا التعجيز».
الضوابط التي تضعها القوانين الأردنية على التبني مشددة، خصوصاً وان أساليب عدة يمكن أن يتبعها أفراد المجتمع الأردني المسلم من أجل إيناسه بطفل يكبر ويساعده وأمه البديلة في كبرهما، بعد أن كانا قد رعياه طفلاً.
نبيل الشقيق الأكبر لأسرة أردنية علم أنه عقيم مبكراً، ولكن بعد أن كثر الأبناء لدى شقيقه الصغير «حنّ» عليه الأخير بطفل رباه نبيل في كنفه، وبذلك فرح الشقيقان نبيل وقد أصبح لديه ولد وبلال وقد ارتاح من مصروف ابنه، خاصة وأنه مطمئن بأنه في أيد أمينة، بل وقريب جداً منه.
اليوم عمر ابن بلال 14 وهو لا يعرف بيتاً سوى بيت عمه وبهذا يناديه: «عمي نبيل» وأحياناً يخطئ بأن يناديه «يابا» ربما احتراماً ربما حباً.. ولكن لا بأس الجميع يعرف من هو، حتى المنادي نفسه.
ولكن ليس لسليمان ظروف تسمح له بالاستئناس بابن شقيقه. فماذا يفعل؟ تقدم خطوة إلى تبني طفل. ولد الطفل لقيطاً. تبناه ولكن بعد سنوات من الجهد والتعب، التي لم تنته على ما يبدو حتى اليوم.
ولكن «الحمد لله على الأقل أسمع ضجة في المنزل وبكاء طفل افتقدته».
الكثير من المزعجات على حد وصف سليمان تترصد الطفل وأبيه بالتبني. أولاً تحرض الدولة على أن يكون للولد اسم وجواز سفر منفصل عن الراعيين له، إضافة إلى دفتر عائلة منفصل.
ما يقلق الأب البديل، أن العديد من تفاصيل الحياة تعتبر عقبات أمام طفله. وعلى رأسها الإرث. فالطفل المتبنى في الأردن لا يرث. ولكن الدولة تجيب: يمكن للآباء البدلاء أن يكتبوا وصية لأبنائهم المتبنين. وهي قانونية مئة في المئة.
تبني أطفال
وفي الأردن العديد من مؤسسات المجتمع المدني التي تُعنى بالأيتام، ومنها جمعية قرى الأطفال سدس الأردنية، التي تعمل على تبني الأطفال الأيتام جماعياً عبر إنشاء أسر وأمهات بديلات لهم في بيوت بديلة لتوفير الحياة الأسرية للأطفال الأيتام.
والجمعية محلية خاصة، تأسست عام 1984م ودعمتها الملكة نور الحسين بصورة كبيرة. وتحرص الجمعية التأكيد على أنها لا تنتمي لأي من التيارات السياسية أو الدينية أو العرقية أو ما شابه. وأنها تسعى إلى تحقيق الحياة الكريمة لأطفال أردنيين أيتام ومحرومين وذلك برعايتها لهم منذ لحظة انتمائهم للقرى وحتى انطـلاقهم إلى بيوت الشباب والشابات، ليخوضوا بعدها غمار الحياة باستقلالية واعتماد كليّ على النفس، ليصبحوا أفراداً منتجين فعّالين لخدمة أنفسهم ومجتمعهم ووطنهم. تعمل الجمعية بروح ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة فيما يخص حقوق الطفل حيث تسير على المنهج العائلي الذي يستند إلى رعاية للطفل طويلة الأمد، والمُتمثلة في أربعة مبادئ هي الأم، الإخوة والأخوات، البيت، والقرية.
وترعى الجمعية ثلاثمائة وخمسـون طفلاً في قراها الثـلاث في عمـان والعقبة واربـد، وفي بيوت الشبـاب والشابات التابعة لها. كما تستمر الجمعية في متابعة الأمور المعيشـية والاجتماعية لمن تخرج من قراها من الشباب والشابات.
وتتألف قرية الأطفال SOS عمان وقرية الأطفال سدس اربد من اثني عشر بيتاً عائلياً لكل منهما. أما قرية الأطفال سدس العقبة فتتألف من ثمانية بيوت عائلية. يحتضن كل بيت عائلي تسعة أطفال، يعيشون كإخوة أخوات في كنف أم تبني معهم علاقة وثيقة، وتوفر لهم الحماية والأمان، وتشمـلهم بالمحـبة والعطف.
وتعمل جمعيات قرى الأطفال SOS في 131 بلداً حول العالم، وجميعها نجحت في تغيير المفهوم الخاص تجاه هذه الفئة من الأطفال.
وأصبحت تمارس خدماتها في المجتمعات وتساهم في تطويرها. كما تولي الأديان والثقافات الاحترام على اختلافها، وتعمل الجمعيات وفق ما يمليه ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بحقوق الطفل بالإضافة إلى تعزيز هذه الحقوق والتأكيد عليها.
وتقوم قرى الأطفال في الأردن على أسس أهمها الأم: لكل طفل أم تعتني به وتقوم بدور أحد الوالدين.
وتبني كل أم في قرى الأطفال سدس علاقة وثيقة مع كل طفل يوكل إلى عنايتها، فتوفر له الحماية والأمان، وتشمله بالمحبة والعطف، وتنمي فيه الشعور بالاستقرار وتشعره بأنه جدير بالثقة.
ويعيش الأطفال صبياناً وبناتاً معاً بأعمارهم المختلفة كأخوة وأخوات. أما الأخوة والأخوات البيولوجيين فيتم إبقاؤهم معاً في عائلة واحدة، ولا ينفصلون عن بعضهم بعض. وينشأ بين الأطفال وأم الــسدس رباط عاطفي متين يدوم مدى الحياة. أما الأساس الثاني فهو «البيت» وتعمل كل عائلة على خلق جو عائلي خاص بها.
والبيت هو منزل السكن الذي تركن إليه العائلة ويوفر لها الشعور الفريد بالراحة. ففيه تزاول الأسرة أعمالها اليومية الرئيسية، ويتعلم الأطفال تحت سقف البيت الشعور بالاطمئنان والانتماء الأسري. لأنهم فيه يشاركون في المسؤوليات وكل ما تؤتيه الحياة اليومية من أفراح وأتراح.
أما القرية: فهي عائلة قرية الـ سدس جزء لا يتجزأ من المجتمع. وتعيش عائلات قرى الأطفال سدس معاً وتكّون محيطاً تسود فيه روح المساندة بعضها لبعض. وتتبادل عائلات القرى اختباراتها وتعيش حياة الاندماج في المجتمع المحلي وتسهم في تطويره إسهاماً بالغ الأهمية، فيتمكن كل طفل وطفلة من خلال الحياة العائلية أن يتعلم ويشارك في المجتمع مشاركة فعلية.
ومن أبرز منجزات الجمعية «الزواج» فقد عملت الجمعية على زرع وتنمية روح الانتماء للمجموعة بشكل عام وللعائلة بشكل خاص، كما تنمي لدى الأطفال روح الحس العائلي.
ففي عام 2004 تزوجت شابتان من شابات الجمعية اللتين ترعرعتا في القرى منذ الصغر. حيث أسسن عائلاتهن المستقرة، ويذكر أن أمهاتهن في القرى تكفلتا مصاريف زواجهما على نفقتهما الخاصة.
علماً ان الشابات اللواتي تزوجن بلغ عددهن أربع عشرة شابة، وان البعض منهن يعملن في مجالات مختلفة والبعض الآخر هن ربات بيوت يقمن برعاية أطفالهن في المنزل.
وشاركت أسرة قرى الأطفال سدس الأردن باحتفال زواج هاتين الشابتين، كأي أسرة طبيعية. يذكر أن ست أمهات من الــسدس، أصبحن جدات.
