ليس وحده انفصال الجنوب عن الشمال هو المشكلة التي تهدد كيان المجتمع السوداني، لكن يبدو أن انفصالاً من نوع آخر يطارد الأسر في أرض النيلين كشفت عنه دراسة حديثة وتجسد في الانفصال الأسري، أي الطلاق بين المتزوجين، حيث تفاقمت معدلاته حتى بلغت ‬30٪ من جملة الذين باعدت بينهم الحياة الزوجية لأسباب مختلفة. وهو رقم مخيف في ظل الأعراف والتقاليد السودانية المعروفة بــ «الأجاويد» يعني أن ثلث الشعب السوداني يكتوون بنيران الانفصال.

والارتفاع الكبير في نسبة الطلاق أدى إلى مطالبة بعض المؤسسات والمنظمات بإنشاء مراكز متخصصة في الاستشارات الاجتماعية للحد من الظاهرة وتثقيف المقبلين على الزواج وضمها إلى مناهج الجامعات، وإن كان هناك فريق آخر يرى أن ذلك الارتفاع يعود للظروف الاقتصادية وعشوائية الاختيار من الزيجات التقليدية، إما لصلة القرابة أو تدخل الأسر في اختيار الزوجة أو الزوج. وهنا رصد دقيق للظاهرة والتفاصيل في السطور التالية.

 

عدم توافق

«سمية.أ.أ» تؤكد أن سبب طلاقها لم يكن بفعل ظروف اقتصادية بل جاء لعدم التوافق بينها وزوجها، إلا أنها تروى حكايتها فتقول: أنا جامعية أنتمي لأسرة تؤمن بالقبلية بشكل كبير، وبعد تخرجي مباشرة تقدم لي شخص مناسب وممتاز، ولكنه من قبيلة أخرى فرفضته الأسرة وحاولت إقناعهم وليتني لم أفعل. ففي اليوم الثاني أخبروني بأن ابن عمي سيحضر اليوم لخطبتي ولم أجرؤ على الاعتراض المباشر، فقلت لوالدتي لن أتزوجه فحذرتني من غضب والدي وضغطت عليّ، وآنذاك وأنا في غرفتي جاء ابن عمي وهو خريج مدرسة متوسطة ويعمل في التجارة مع والده ودون أن يناقشوني اتفقوا على كل شيء وزفوني إليه.

وتضيف سمية: لم يكن هناك أي نوع من التوافق بيني وبينه، أمضينا ثلاث سنوات في نكد ومشكلات وكأننا غريبان في بيت واحد كرهته؛ لأنه وافق على الزواج مني دون أن يسألني بل هو يعلم أنني مجبرة عليه، وظللت أتناول الموانع حتى لا أحمل منه وفي مرة وجد بين ملابسي في الدولاب شريطاً لأقراص منع الحمل، فسألني «منذ متى وأنت تستخدمينها؟ ولماذا وأنا من طبيب إلى آخر أبحث عن الإنجاب؟!» رددت عليه منذ زواجنا، خرج دون أن ينطق بكلمة ثم عاد بعد ساعات ليخبرني بأنني طالق فأخبرته أيضاً بأنني لست بحاجة إليه.

هذا النوع من الزواج في السودان كان كثيراً جداً في منتصف القرن الماضي وما بعده وتغير الحال بعد عقد الثمانينات، ولكن ما زالت كثير من القبائل والأسر ترفض الزوج من خارج القبيلة وتفرض على بناتها أحد أقربائهم اعتقاداً منهم بأنهم الأكثر حرصاً عليها وسيحميها ويسترها كما يقولون، ولذلك هذه التقاليد أدت إلى فشل زيجات كثيرة ومازال هذا السلوك قائماً حتى الآن في بعض القبائل رغم انفتاحها على مجتمعات أخرى، ورغم ذلك لا تزال الأولوية عندهم للقريب.

 

ظروف صعبة

سيدة أخرى تدعى راوية أحمد سيد تقول: تزوجت من شخص أحببته حقيقة وكنت أعتقد بأنني سأكون أسعد إنسانة في الدنيا رغم عدم رضاء أهلي به، ولكني وجدته إنساناً غير مسؤول كل تفكيره في الهجرة ولم يفكر مطلقاً في عمل منتظم، ظل على أمل أن يرسل له أحد أصدقائه دعوة للسفر إلى كندا، طلب مني السفر إلى القاهرة لانتظار الدعوة وعندما حاولت إقناعه بالعدول عن الفكرة رفض بشدة، فسافرت معه للقاهرة وظللنا عامين ننتظر ولا شيء وهو لا يعمل نعتمد على العطايا من أهله وأهلي، وعشنا ظروفاً صعبة، وأخيراً خيرته بين البقاء في السودان وقيامه بمسؤولياته تجاه أسرته أو الانفصال فأصر على البقاء في مصر انتظاراً للدعوة التي وعده بها صديقه، ووقع الطلاق منذ عامين وحتى الآن هو مازال في القاهرة من دون عمل ولم تصل أوراقه للهجرة. وتبدأ ناريمان حديثها بنبرة حزينة مشيرة إلى أن زوجها إنسان جيد لكنه ضعيف الشخصية أمام والدته وشقيقاته، وتقول: حاولت كثيراً أن أنصحه بألا يسمح لهم بالتدخل في حياتنا بعد أن أصبحت القرارات بشأن حياتنا تصدر من هناك من منزلهم وإذا اعترضت يتحدونني ويخلقون معركة في غير معترك والغريب أنه يغضب مني إذا أبديت رأياً مخالفاً حتى في أدق خصوصيتنا، وعندما أنجبنا أول مولود قبل أن أخرج من غرفة الولادة كانوا قد أطلقوا عليه اسم «أحمد» وقرروا كل شيء حتى الكلية التي سيدخلها بعد أن يكبر حددوها ليصير طياراً كما تمنوا، وحتى التمني أصبح ليس من حقي. وتستطرد الزوجة المغلوبة على أمرها: حتى عندما قررت أن أغير غرفة الجلوس في منزلنا واخترت الألوان التي تناسبني وحجزتها على أمل أن أذهب أنا وزوجي في اليوم التالي، فوجئت بأهل زوجي يذهبون في نفس الليلة ويختاروا غرفة بمواصفات أخرى وخضع زوجي لرأيهم، وعندما مرضت والدتي بقيت معها يومين في منزل أسرتي وكان زوجي سعيداً بذلك، ألا أنهم أجبروه ليعيدني للمنزل بحجة أن لي شقيقة متزوجة أيضاً، قالوا يفترض أن تمارض والدتي معي بالتناوب رغم معرفة زوجي بظروف شقيقتي ومرض زوجها، وهنا رفضت ودخلت مرحلة التحدي الحقيقي، إما أن أكون صاحبة قرار في منزلي أو أعاند بقوة إذا أصروا على التدخل، ولكنه لم يعجبه أن أخالف أهله فطلبت الطلاق لكنهم طلبوا منه عدم تطليقي وأن يتركني هكذا، وهنا جمعت عدداً من كبار العائلتين وحملوه كل الأخطاء التي تحدث وطلبوا مني العودة إلى منزل الزوجية فرفضت بأدب شديد مع احترامي لهم؛ لأنني أدرك أنهم لن يتنازلوا عن موقفهم ولا هو يستطيع الخروج من تحت عباءتهم، فتم الطلاق بالتراضي.

 

المغتربون السودانيون

الحاج عبدالباسط عسران تاجر في سوق «أم درمان»، قال: زوجتي كانت ترغب في تزويج ابنتي من ابن شقيقتها ولم أمانع، ولكن طلبت رأي ابنتي وسألتها فصارحتني بأنها مرتبطة بأحد زملائها في العمل وستقدمه لي يوماً من الأيام فطلبت من زوجتي أن تنهي هذا الحديث، حتى لا يحدث شرخ في العائلة وبعدها بفترة طرق زميلها باب منزلنا ومعه أسرته وهي أسرة كريمة ووافقت والآن لها ‬11 عاماً مع زوجها الذي أصبح كابني ويعيشان في سعادة ورضاء، وقال إن المصيبة الحقيقية هي أن تفرض على ابنتك زوجاً لا تريده فهذه مشكلاتها كبيرة ودائماً ما تؤدي إلى الطلاق. أما صباح.أ.م فقالت إن طلاقها تم بعد شهرين من زواجها من أحد المغتربين السودانيين في الخليج كان قد طلب من أهله أن يختاروا له عروساً بمواصفات محددة، وقالت: وقع اختيارهم عليّ وتقدموا لي فوافقت من دون تردد نسبة لأنني أعيش أنا وشقيقي مع زوجة أبي بعد وفاة والدتي وهي لا تحبني أبداً رغم أنها لم تنجب، وحاولت التعرف عليه جيداً من خلال أهله، حيث أكدوا لي بأنه يعمل في مركز مرموق ومتعلم وله مكانة في الخليج سعدت كثيراً بهذه المعلومات، خاصة أنني حاصلة علي ماجستير في العلوم فتم الزواج بسرعة وأرسل لي «زيارة» أولاً حتى تكتمل إجراءات الإقامة فسافرت له وبعد أيام اكتشفت أنه لم يحصل حتى على الابتدائية ويعمل في مهنة متواضعة جداً بمرتب ضعيف جداً، وشعرت بأنه ليس هناك شيء يربطنا، أنا أتحدث في كل القضايا بفهم.. وهو ساذج في تصرفاته وغير قادر على اتخاذ قراراته، واجهته بتلك الخدعة فأنكر، وقال إنه لم يقل لأهله أن يخبروني بأنه متعلم أو يعمل في مركز مرموق، وطلبت منه أن أعود إلى السودان فطلب مني التفكير من جديد ولكن حسمت أمري وكان الطلاق.