احتجاجاً على الإقفال القسري لمقهى الجمّيْزة المعروف بـ«قهوة القزاز (الزجاج)»، واحتفاءً بتاريخ هذا المقهى العريق، والذي من المتوقّع أن ينتقل «قسراً» إلى منطقة أنطلياس، دعت مجموعة «سايف بيروت هيريتاج»، ومعها سكان منطقة الجمّيْزة، إلى «احتفال تأبيـــني» يقام مساء يوم غد الأربعاء، أمام المقهى الكائن في منطقة الجميزة، شارع غورو.
ورقة النعوة إحتلّت جدران شارع «غورو» والتفرّعات منه، ما يستدعي وقفة حنين إلى ماضٍ صاخب بالذكريات عن واحدة من أهم مقاهي العاصمة خلال الفترة الممتدة من الخمسينات حتى السبعينات من القرن الماضي. وفي تلك المرحلة، شكّل ذلك المقهى شاهداً على تاريخ لبنان الحديث، منذ عهد الرئيس بشارة الخوري مروراً بالحرب الأهلية الأولى عام 1958، والثانية عام 1975 وصولاً إلى أيامنا هذه.
وهكذا، طوى إعلان «النعي» هذا الشائعات الكثيرة التي كانت تدور منذ أشهر حول مصير «قهوة القزاز» في منطقة الجمّيْزة، إثر الأخبار التي راجت أخيراً عن إقفالها وبيعها إلى أحد المصارف الكبرى ليفتتح فرعاً له مكانها، ما شغل بال البيروتيين وأهل التراث الذين أقلقهم مستقبل هذا المَعْلم التراثي الكبير، وأغضبهم أن يسقط رمز آخر من رموز بيروت الجميلة والعريقة أمام إغراء المال، من دون أن تتمكن الدولة من إنقاذه والمحافظة عليه.
وبهذا الإعلان، يسدل الستار على واحدة من أهم معالم بيروت القديمة، بعد 90 عاما على ولادتها، ويُمحى حصن حضَن تاريخاً وتراثاً، وتتحول القهوة إلى مجرد ذكريات في بال من عاشوها، والى حكايات ترويها كتب التاريخ وقصاصات الجرائد وألسنة الرواة و«قبضايات» الحي.. علماً أن مقهى «القزاز»، كما اشتهرت تسميته نظراً للزجاج الذي يحيط مداره كما بابه أيضاً، تميّز بأنه كان أول مقهى مكشوفاً يمكن للمارة رؤية روّاده في الداخل، كما كان مقصداً للعديد من المثقفين والفنانين والسياسيين منذ افتتاحه عام 1951 والى حين طلب إخلائه وانتقاله قسراً إلى منطقة أنطلياس.
كذلك، فإن قهوة الجمّيزة كانت تعتبر أشهر «قهوة قزاز» بين مثيلاتها في مدن بيروت وطرابلس وصيدا.. كراسيها من القش والخيزران، طاولاتها من الحديد ومزيّنة برفوف من الرخام الأبيض الرائع، إضافة إلى أدواتها النحاسية ونراجيلها وثرياتها من الزجاج الملون.. كذلك، كان هذا المقهى من بين أهم أربعة مقاهٍ في بيروت، بداية الخمسينات من القرن الماضي بحسب المؤرخ البيروتي العميد مختار عيتاني (صاحب كتاب «بيروت»)، إذ يعدّد: «قهوة القباضيات» في البسطة الفوقا والتي تأسّست عام 1926 في عهد الانتداب الفرنسي، «قهوة البحري» في عين المريّسة التي تأسّست عام 1931 و«مقهى القزاز» في كل من ساحة البرج والجميّزة، ويشير إلى أن أهمية تلك المقاهي تكمن في «كونها كانت نقطة الالتقاء وانطلاق قباضيات بيروت إلى ساحة البرج».
والجدير ذكره بأن «مقهى القزاز» في الجميّزة كان أول من استقبل النساء لتناول القهوة وتدخين النارجيلة ولعب طاولة الزهر والورق، حيث كان ممنوعاً، فضلاً على أنه كان معيباً على النساء ارتياد المقاهي والاختلاط مع الرجال.
كما برزت أهمية هذا المكان كونه شكّل المرتع المفضّل لدى كبار الشخصيات السياسية والفنية والثقافية في لبنان، ولاسيما الرئيس الراحل كميل شمعون والأمير مجيد أرسلان ومؤسّس حزب «الكتائب» بيار الجميّل، حيث كانوا يلتقون مساءً لتناول القهوة ولعب الطاولة بعد يوم سياسي مليء بالاجتماعات.
إلى جانب ذلك كان مقرّاً لانطلاق بعض النجوم في لبنان، مثل المطربة الراحلة «لور دكّاش» التي عزفت وغنت أغنيتها الشهيرة «آمنت بالله» . كما زارت المطربة الكبيرة «صباح» عدة مرات هذا المقهى ولاسيما مع زوجها النائب الراحل «جو حمود»، كذلك رقصت فيه نادية جمال على أنغام أغنية «النهر الخالد» لمحمد عبد الوهاب.
