إنتاج المعرفة ليس بمعزل عن سوق العمل الذي ستتوجه إليه في نهاية المطاف مخرجات الجامعات، فتعمل على تلاقي ما تخرّجه الجامعة من طلبة، مع ما تتطلبه سوق العمل في كل مجالاتها. وفلسفة الجامعات عالمياً تقوم على إنتاج ونشر المعرفة، فهي أساس التقدم على أي صعيد، ومن دونها، تسير الحياة في تكرار لا تحيد عنه، وهذا ليس من سمات البشر المفطورين على تطوير حياتهم.

في البحرين هناك علاقة وطيدة بين الجامعة وسوق العمل المحلية والتي تغذيها بالكوادر البشرية المؤهلة تأهيلاً أكاديمياً. تحدث عنها رؤساء جامعات وخبراء وقد ابتدر رئيس جامعة البحرين الدكتور إبراهيم محمد جناحي الحديث عن تلك المسألة قائلاً: «يمكننا التوقف عند نقطتين رئيسيتين في العلاقة التبادلية بين الجامعة وسوق العمل. التوجه الأول أن يقوم الباحثون والأساتذة في الجامعة بتعليم الطلبة أحدث النظريات العالمية التي تطبق في إدارة الأعمال والمصارف والصناعة والتجارة والحقوق والهندسة والآداب وتقنية المعلومات، بصرف النظر عما إذا كانت هذه النظريات معمولاً بها في البحرين أم لا، وذلك لخلق تقدم فكري لدى الطالب في محاولة لتطوير واقعه العملي باتباع أحدث النظريات في مجال تخصصه.

وبين رئيس جامعة البحرين أن التوجه الثاني يقول «تعيش الأعمال واقعها السريع جداً، والقائم على قوى السوق، وربما تسلك طريقاً لا علاقة لها بالنظريات، وربما يكون عصيّاً على الفهم والتفسير في حينه، ومن ثم تأتي الجامعات والباحثون ليحللوا هذه المعطيات ويصيغوها على شكل نظريات أو ممارسات تدرس في الجامعة، أي أن الجامعة هنا تأتي بدور المفسر وليس المسيِّر لسوق العمل».

وأكد أن جامعة البحرين مزجت بين التوجهين، فالمعروف أن الجامعة تتدرج من أصغر وحداتها الأكاديمية وهي الأقسام، وحتى مجلس أمناء الجامعة الذي يرسم سياستها العليا؛ هناك دائماً ممثلون عن القطاع الخاص الذين يردمون الفجوة بين الدرس الأكاديمي والواقع العملي، وبالتالي، يتم ضبط المساقات الدراسية وفقاً لهذه الرؤية الواصلة بين الضفتين.

وشدد الدكتور جناحي ان جامعة البحرين جامعة وطنية وبالتالي فإن عليها مسؤولية مهمة وبالغة الدقة، إذ لها دور محدد في الرؤية الاقتصادية لبحرين ‬2030، وذلك من خلال رفع جودة التعليم وإكساب الطلبة مهارات جديدة ذات مستوى ومقبولية دولية، وهذا ما تعمل عليه الجامعة الآن ضمن خطتها الخمسية لتهيئة الطلبة للدخول بقوة في سوق العمل أياً كان موقعه، من ضمن البرامج الدراسية المعتمدة من الجهات الدولية، وهذا ما يحقق المزاوجة الحيوية بين الدراسة الجامعية والواقع العملي.

إخفاق في المهمة

من جانبه قال الدكتور عبدالله الحواجي رئيس الجامعة الأهلية بالبحرين انه بلا شك أن الجامعات الحكومية بشكل عام في العالم العربي لم توفق في أداء المهمة الرئيسية المطلوبة منها بالتنسيق مع متطلبات التنمية وأسواق العمل من خلال التقنين بالبرامج التي تقدمها هذه الجامعات وأن تكون مخرجاتها هي التي تحتاجها دولها والمنطقة.

وأبدى الدكتور أسفه لعدم استطاعة جامعات عربية تمتد لقرن من الزمان أن تلبي الاحتياجات من مختلف التخصصات في شتى مجالات العمل في السوق، ما يعني أن هذه الجامعات قد فشلت في ما هو مطلوب منها على الرغم أنها مدعومة من قبل الدول إلا أنها بقيت خارج الجامعات الممتازة على مستوى العالم.

وطالب رئيس الجامعة الأهلية بأن يكون هناك تنسيق بين الجامعات الحكومية والخاصة حتى يتم التكامل والتقنين من البرامج والتخصصات التي تشبع منها سوق العمل، حيث نرى فائضاً في بعض التخصصات التي قد لا يحتاجها السوق، وعلى العكس نرى شحاً في برامج أخرى مهمة وملحة لسوق العمل، الأمر الذي يحتم على القائمين في الدول العربية على التعليم العالي أن يقوموا بالدراسة والتخطيط لبرامج الجامعات الحكومية على المدى البعيد والقصير ودراسة السوق وخطط المستقبل بالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية في الدولة.

وقال الحواجي الجامعات الحكومية انه على الجامعات العربية ان يعرفوا انهم محاسبون وأن الهدف والوصول إليه لابد وان يكون من خلال جودة التعليم التي ستنعكس بلا شك على مخرجات التعليم التي يحتاج سوق العمل وهو ما سيؤثر حتماً على إنتاجية العمل، وبالتالي لابد من التنسيق وان يكون هناك ثواب وعقاب لأي جامعة تخرج عن متطلبات التنمية واحتياجات السوق حتى لا يكون هناك فائض أو نقصان في التخصصات بسوق العمل.

عدم مواكبة

من جهته قال أستاذ علم الاجتماع بجامعة البحرين الدكتور باقر النجار ان التغيرات التي تحدث في سوق العمل تكون أسرع من قدرة التعليم على مواكبتها، كما أن التعليم من ناحية أخرى لا يستطيع تلبية متطلبات السوق وهو يقوم بتهيئة الطلبة بالمهارات العلمية والمعرفية أو اليدوية، وأوضح ان هذه المهارات تخضع لمدة التدريب وإتقان الفرد لعمله، كما أن المعارف الأخرى تخضع وتعتمد بشكل أساسي على الطالب وقدرته.

وأضاف الدكتور النجار انه ليس بالضرورة أن يكون المتخصص في أداء معين لديه مجموعة من المهارات قد تعينه لدخول مجالات أخرى ومن خلال التدريب الذاتي يمكن أن تعينه على الدخول لسوق العمل.

وأشار إلى أن مشكلة الجامعات العربية أنها تفتقر لأسباب كثيرة بعضها إداري أو بشري أو معرفي أو علمي، لذلك نسمع الكثير من النقد لدور هذه الجامعات التي لم تستطع أن تزود الداخلين إليها بالمهارات المطلوبة لسوق العمل، وأوضح ان المشكلة تكمن في أن هذه المهارات متغيرة وتكتسب من خلال سوق العمل، إلا أن المعضلة الكبيرة هي طريقة التدريس وطبيعة العلاقة بين الطالب والمدرس والعكس أيضاً، بمعنى أن البيئة التعليمية بشكل عام لا تزود الطالب بمهارات تعليمية تساعده أن يكون مفيداً.

وأكد الدكتور باقر ان الجامعة لا تزود الطالب بمهارات سوق العمل من خلال التخصص الذي يتخرج منه إنما الطالب هو الذي يستطيع أن يطوع مهاراته من خلال صقلها بعد الانخراط بسوق العمل.

غياب المنهجية

واعتبر رئيس مجلس طلبة جامعة البحرين محمد المراشدة أن معظم الجامعات العربية لا تضع خطة ممنهجة ضمن برامجها الأكاديمية لمواكبة تطورات أوضاع سوق العمل، حيث إنها تعمل ضمن إطار محدود وهو منح الشهادات الأكاديمية والدليل على ذلك وجود فئة ليست بقليلة من الخريجين الجامعيين دون فرص عمل حقيقية، حيث إن التخصصات المتاحة في هذه الجامعات يكون فيها العلم المسبق بضيق فرص العمل.

وأكد المراشدة أن الحل الأمثل هو التنسيق بين الجامعات والجهات المختصة بضرورة ملاءمة البرامج الأكاديمية لفرص عمل السوق، وفاح التخصصات التي تلبي الاحتياجات والنواقص لدى سوق العمل وإغلاق التخصصات التي يكون الحصول على فرصة العمل من خلالها محدوداً وضيقاً لأبعد مدى.