جيجل على ساحل المتوسط واحدة من الجواهر السياحية الجزائرية، حباها الله بطبيعة نادرة تجمع بين زرقة البحر وخضرة محيطه على مدار العام وأدغال بها مواقع لم تطأها أقدام البشر بعد.

هي كلها سحر في سحر، ومن أي جهة دخلتها أبهرتك الطبيعة. فحين تأتيها من مدينة سطيف الواقعة جنوبا تمر حتما على جبال «البابور» واحدة من أكثر جبال الجزائر كثافة بغابات الصنوبر والزان والفلين والبلوط وأرز الأطلس وهو من أجمل أشجار منطقة المغرب العربي.

وان جئتها من بجاية الواقعة على الساحل غربا فتسلك طريقا ملتوية كالثعبان مسايرة شاطئ البحر بطول يزيد عن مائة كيلو متر تتخلله مواقع أثرية ومشاهد طبيعية، وتعبر أنفاقا قديمة بنيت قبل نحو قرن من الزمن عند شق الطريق بين المدينتين. وعلى الجدران الواقية والصخور والأشجار تستوقفك مئات من أفراد قردة «الماجو» تنتظر عطاءات المارة. ويحدث ان يقف قطيع منها على الطريق وكأنه نقطة تفتيش أمنية في مهمة إجبار الناس على الوقوف لإكرامها والتفرج على حركاتها البهلوانية. حين تلتقي هذه الحيوانات بالبشر تتخلى عن طابعها المتوحش فتستأنس بهم وتأخذ طعامها منهم وتجالسهم على الهواء حتى ان عابري هذه الطريق ياخذونها بالحسبان فيشترون لها الموز والفول السوداني والخبز وفواكه الموسم. ويحلو للصبية إطعامها والتقاط الصور معها.

وان دخلت جيجل من قسنطينة كبرى مدن شرق البلاد، فتمر على بساتين الفاكهة من حمضيات وخوج وكمثرى ورمان وايجاص وتفاح وما إليها تشقها أودية وجداول العذب الرقراقة، بينما تغطى التلال المقابلة أشجار الكرز والتين والكروم وغابات الزيتون. وان دخلت جيجل من البحر فتمر على سلسلة من الجزر الجميلة المتناثرة هنا وهناك بأحجام وأشكال مختلفة، ويشد انتباهك شعار مؤسسة «موانئ دبي العالمية» التي تسير ميناء «جن جن» المرشح لان يكون احد اكبر الموانئ على البحر المتوسط خاصة بعد انجاز الطريق السريع الذي يربطه بمدينة سطيف على نحو ‬100 كلم إلى الجنوب... لا يهم إذن من أين تدخل جيجل فكل مدخل من مداخلها له ميزته، لكن الأكيد انك من حيث جئتها ستقرر العودة.

هذه مداخل جيجل المدينة التي يقطنها نحو ‬200 الف نسمة عاصمة ولاية تعدادها مليون ساكن، يتحدثون لغة عربية مطعمة بعبارات بربرية. فقد كانت موطنا للبربر قبل ان ينزل بها بنو هلال ويعربونها قبل نحو عشرة قرون. ومن ميزات نطقهم الغياب التام لحرف «القاف» فهم ينطقونه «ك» كما ان حرف الكاف يسبق نطقهم بالفعل فيقول مثلا «كنقول» عوض «أقول». وكانت جيجل قديما مرفأ فينيقيا ثم تحولت إلى مدينة قبل ميلاد المسيح عليه السلام بقليل. ووصلتها القوات الرومانية ووسعت مجالها. فكانت إحدى نقاط ارتكاز الدولة الفاطمية وبها تكون المحاربون الذين انطلقوا شرقا فبنوا القاهرة وجعلوها عاصمة لدولتهم. وتنتج جيجل منذ القدم مختلف أنواع الخضروات والفاكهة وهي حاليا أهم الولايات التي تنتج فاكهة الفراولة وتقيم لها عيدا كل عام يشارك فيه عشرات المزارعين المختصين في هذه الزراعة ويستقطب زوارا من مختلف مناطق الجزائر. كما تتوفر على موارد مائية هائلة فجبالها تبقى لشهور مكسوة بالثلج وتغذي الأودية والجدال والسدود التي تشبع حاجة السكان والأرض.

 

الكهوف العجيبة

من أكثر المواقع التي يقصدها السياح بالآلاف كل يوم الكهوف العجيبة وهي عبارة عن مغارات طبيعية عمرها ملايين السنين ممتدة ربما على كيلومترات تحت الأرض. اكتشفت بداية القرن الماضي عند شق الطريق بين جيجل وبجاية. وحتى اليوم لا احد تمكن من تحديد طولها لأنها غائرة. ويدخل السياح إلى بعد نحو ‬50 إلى ‬100 متر وهي في الخارج غابات كثيفة متنوعة النبات تحتضن واحدة من أهم وأغنى الحظائر الطبيعية في الجزائر بها أنواع من الطيور والحيوانات البرية المحمية قانونا، وفي الداخل «صالات» لا يقدر الإنسان على إيجاد ديكور مماثل لها. بها عشرات الأنواع من الأشكال مختلفة الأحجام تكونت عبر ملايين السنين من قطرات الماء المكلسة في شكل نوازل وصواعد بلغ طول بعضها حد اللقاء فتحولت إلى أعمدة زخرفتها الطبيعة وجعلت منها تحفا بديعة. وصلنا المكان فكان المرشد السياحي خليفة بوعوينة يشرح لسياح من النمسا وقبرص واسبانيا وايطاليا وكندا ومن الجزائر أيضا تشكيل تلك التحف. فقال ان الكهوف العجيبة يكون عمرها نحو ستة آلاف سنة، وتكونت هذه الأشكال من تراكم قطرات الماء التي تتحول نسبة منها إلى كلس بينما النسبة الأخرى تغرق في التراب وكبرت القطع الكلسية على الجانبين وتحولت إلى مادة صلبة جميلة. وكانت المفاجأة حين بدأ يطرق تلك الأشكال فكانت تصدر اصواتا مختلفة كما لو أننا أمام فرقة موسيقية متعددة الآلات.

 

«بانوراما» سياحية

وعلى خطوات من الكهوف العجيبة شاطئ «العوانة» الساحر الذي عرضت مجموعة «بانوراما» الأمريكية للسياحة على الجزائريين إقامة مدينة سياحية به تشمل فنادق وفلل وشقق راقية وميناءين للرياضة المائية والسياحة والاستجمام ومطار للطائرات الصغيرة والمروحيات ومدرسة عليا للفندقة وما يتبع ذلك من مرافق تجارية وترفيهية ورياضية وثقافية. مع تزويد المدينة بمصاعد كهربائية وسلالم ميكانيكية كونها تبنى صعودا من البحر إلى أعلى الهضبة الخضراء. قد يحول هذا المشروع عند تنفيذه المنطقة التي لا تزال حتى اليوم عذراء إلى قطب اقتصادي كبير. ونقلت الصحافة على لسان رئيس الوفد الأمريكي الذي زار المنطقة ثلاث مرات حتى الآن للتفاوض مع سلطات الولاية ومعاينة الموقع، قوله» سنعمل سويا لتطوير هذا المكان وترقيته...أرى هنا أن السياحة الساحلية متاحة بقوة وان السياحة الجبلية ممكنة في كل فصول السنة» وجاء حديثه بعدما علم أن الثلوج تغطي قمم جبال جيجل وتبقى أحيانا حتى آخر الربيع.