التحولات الديمقراطية بالأنظمة الديكتاتورية في البلدان الاشتراكية مطلع التسعينات من القرن الماضي حملت معها تباشير تحول عالمي نحو الانتقال الديمقراطي، خاصة بعد أن انتقلت تلك الدول بسلاسة ويسر من الهيمنة المطلقة للحزب الواحد إلى التعددية الحزبية عبر انتخابات عامة تحظى نتائجها بقبول ورضا المتنافسين فيها.

وقد مثل ذلك الانتقال السريع والناعم من الديكتاتورية المتسلطة إلى النهج الديمقراطي ينبوع تفاؤل للكثير من الباحثين والمنظرين والمحللين وأساطين السياسة وعلم الاجتماع دفع بهم وهم يعاينون ويراقبون تلك الموجة العارمة من الديمقراطية إلى الجزم وعلى نحو قاطع أن تجتاح تلك الموجة لعالم أجمع بما فيه المنطقة العربية، خاصة بعد أن بادرت بعض من البلدان العربية إلى إقرار التعددية الحزبية وإطلاق الحريات العامة كحرية التعبير والصحافة والإعلام وحرية تكوين الأحزاب والمنظمات السياسية والنقابية والمهنية والتي ترافقت مع سن التشريعات والقوانين التي فتحت الطريق لتنظيم انتخابات عامة مباشرة سمحت بمشاركة كافة السكان وكرست حقوق التوصيات ونظمت سرية الاقتراع العام المباشر والمشاركة في تسيير الشؤون العامة. وبالتزامن مع تلك التوجهات ارتفعت الأصوات المؤكدة على التداول السلمي للسلطة عبر صندوق الانتخابات، وتعد اليمن واحدة من تلك الدول التي تأثرت بموجة التحول الديمقراطي وتوافقت نخبها السياسية لأول مرة على ارتياد هذا الطريق وأطلقت التعددية الحزبية لأول مرة بالتزامن مع قيام الوحدة بين شطري البلاد بعد أن كان دستور الشمال يحظر الحزبية، ودستور الجنوب يكرس الهيمنة المطلقة للحزب الواحد على الحياة السياسية، وكانت الانتخابات التي تنظم في ظل النظامين السياسيين مجرد إجراء شكلي لتكريس الأمر الواقع.

وبعد إطلاق الحريات العامة وتدشين التعددية الحزبية مع قيام دولة الوحدة عام ‬1990 بدأت الخطوات لإجراء أول انتخابات برلمانية حرة ومباشرة العام ‬1993 تنافس فيها ‬23 حزبا سياسيا وبعض المستقلين مدشنة بذلك مرحلة جديدة نحو إرساء معالم أسس جديدة لنظام سياسي جديد، لكن ما ان بدأت التحضيرات للانطلاقة الديمقراطية إلا وبدأت معها الخلافات بين أطراف النخبة السياسية تتصاعد حول الاستفتاء على الدستور بين التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي ثم لاحقا بين هذا الأخير وبين شريكه في السلطة المؤتمر الشعبي العام، ومع أن الانتخابات كان يؤمل عليها أن تؤسس لمرحلة جديدة من التوافق السياسي، خاصة أن أيا من المتنافسين لم يعترض صراحة على تلك الانتخابات ولم يشكك بنزاهتها، إلا أنه قد أعقبها توتر بين اللاعبين السياسيين الرئيسيين، الحزب الاشتراكي اليمني من جهة والمؤتمر الشعبي العلم وحزب التجمع اليمني من جهة أخرى، واتجهت العلاقة على خلفية ما اعتبر تحالفات سرية وصفقات انتخابية بين الإصلاح والمؤتمر نحو أزمة سياسية ما لبثت أن تطورت إلى حرب صيف ‬1994 التي نتج عنها إقصاء الاشتراكي من السلطة.

شهر عسل

ثم ان شهر العسل بين الشريكين الجديدين المؤتمر والإصلاح اللذين تحالفا على إقصاء الاشتراكي من الحكم لم يدم طويلا، إذ سرعان ما بدأ العسل يفقد حلاوته لاسيما بعيد الانتخابات التشريعية التي جرت العام ‬1997 وقاطعها الاشتراكي، وقد نتج عنها تحجيم مطامح الشريك في الحرب التجمع اليمني للإصلاح أمام الهيمنة الكاسحة للمؤتمر الشعبي العام الذي يقوده الرئيس صالح، ثم تصاعد توتر تلك العلاقات بين شريكي الحرب إلى قطيعة في انتخابات ‬2003 وبعدها تطورت تلك القطيعة إلى عداوة صارخة بعد أن أطبق الحزب الحاكم المؤتمر الشعبي العام على مختلف المؤسسات والهيئات المنتخبة المركزية والمحلية، وتزايدت حدة الصراعات تلك مع المؤتمر الحاكم والأحزاب المعارضة المنضوية في إطار اللقاء المشترك خلال الانتخابات الرئاسية والبلدية التي جرت عام ‬2006 التي خسرها مرشح المعارضة فيصل بن شملان وكسبها الرئيس صالح، فيما حصل حزبه على الأغلبية المطلقة في الانتخابات البلدية.

وباستثناء الانتخابات التشريعية الأولى التي جرت العام ‬1993 لم يطعن بسلامتها أي من المتنافسين فيها، فإن التشكيك بسلامة ونزاهة الانتخابات التي تلتها كانت السمة البارزة لموقف المعارضة التي ذهبت إلى اتهام الحزب الحاكم باستخدام المكان والنفوذ والإعلام من أجل التأثير على إرادة الناخبين، وسعت في هذا الاتجاه إلى تكريس مطالبتها في إصلاح النظام الانتخابي باعتباره الأساس المرجعي لانبثاق سلطة معبرة عن إرادة الناخبين، لكن تمسك كل طرف بوجهة نظره للإصلاحات والتعديلات التي يريدها قد ظلت بمخاوف كل طرف من أن يبتلع الطرف الآخر، فالمعارضة ظلت تشدد على نظام القائمة النسبية والحزب الحاكم على الاقتراع الفردي الأحادي دون أن يتوصل الفريقان إلى توافق سياسي يرضي الطرفين حتى انتهت الأمور إلى إعلان المؤتمر الشعبي العام الذهاب إلى الانتخابات دون منافسة حقيقية.

واليوم وكما يبدو للمراقبين والمتابعين العلاقة بين المعارضة والسلطة مرشحة إلى مزيد من التردي، خاصة بعد إدخال الحزب الحاكم مؤخرا لتعديلات على قانون الانتخابات ترفضها المعارضة وتعتبرها نكوصا عن اتفاقات سابقة كانت قد توصلت إليها المعارضة العام الماضي بغرض الإعداد والتهيئة لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وشفافة.

الملاحظ أنه عند مرحلة تطرح فيها المسألة الانتخابية أو بعد إجرائها تتجه العلاقة بين أطراف العمل السياسي في البلاد نحو مزيد من التوتر والتردي وذلك على عكس ما يجري في البلدان الديمقراطية، ففي حين تفضي الانتخابات في بلدان الديمقراطيات العريقة إلى مزيد من استقرار الأوضاع السياسية ويتجسد مبدأ التداول السلمي للسلطة، تتعالى الاتهامات وتتعمق الخلافات بين الأحزاب السياسية إلى الحد الذي بات يثير الحنين إلى عهود ما قبل النهج الديمقراطي بسبب الصراع بين السلطة والمعارضة..

الخشية من المنافسة

وعلى الرغم من كل المحاولات التي بذلت من أجل التوافق على ما يطلق عليه تسوية الملعب الانتخابي من اجل خوض انتخابات حرة ونزيهة تقبل على خوضها كل مكونات العمل السياسي وتقبل بنتائجها، إلا أنها كانت تصطدم بتمسك كل فريق برؤيته الخاصة التي يرى أنها الأنسب والأجدى لتمكنه من السيطرة على المؤسسات التشريعية والتنفيذية. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها كما يطرح قادة المعارضة خشية السلطة من منافسة حقيقية تفضي إلى زوال سيطرتها على المؤسسات السياسية والدستورية، معتبرة أن تحكمها بإدارة العملية الانتخابية تحول دون بلوغ ذلك الهدف، فيما ترد السلطة أنها وحدها هي خيار الشعب الذي سبق له أن قال كلمته فيها وفي المعارضة على حد سواء، وأن هذه الأخيرة ليس لها أي وزن شعبي، وهو ما يبدو للمراقبين المحايدين جنوح زائد لدى كل فريق إلى سحق خصمه والتوعد بالقضاء النهائي عليه، الأمر الذي لم يترك مجالا وسط لغة التهديد والوعيد والتبخيس والتقليل لتسوية مشتركة لقواعد اللعبة الانتخابية تحظى بقبول كافة أطرافها، لاسيما أن كل المؤشرات المتعلقة بالتجارب الانتخابية السابقة لا تؤيد التفسير المطلق الذي يسوقه كل طرف بشأن الانتخابات وإنما تكشف مدى نسبية حججه، إذ كشف استطلاع للرأي أجراه المركز اليمني لقياس الرأي، وهو مؤسسة مستقلة وتحظى مسوحاته بقبول واسع حتى لدى المؤسسات الدولية، وأعلن نتائجه منتصف ديسمبر، أن ‬92,2٪ من المستجوبين في هذا الاستطلاع قد عبروا عن أنهم لم يتعرضوا لضغوط خلال الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التي شهد تها البلاد، إلا أن غالبيتهم أكدوا على أن الانتخابات لا تمثل وسيلة للتغيير والسبب من وجهة نظرهم «أنها مزورة»، وفق ما عبر عنه ‬43,3٪، كما أظهر الاستطلاع تدني الوعي بأهمية الانتخابات لدى الناخب اليمني، إذ أكد ‬42,4٪ من المبحوثين على أنهم لا يعرفون الجهة التي تنظم وتدير العملية الانتخابية، في حين أن الذين يعرفون لا تتجاوز نسبتهم ‬30٪. وعبر ‬34,4٪ فقط عن حيادية اللجنة التي تديرها، و‬10٪ عن عدم كفاءتها، كما أن مسوحات استطلاعية سابقة نفذ ها مرصد البرلمان اليمني، وهو أيضاً منظمة مستقلة كشفت أن غالبية المستجوبين ينتظرون من الانتخابات أن يحسن البرلمان مستوى معيشتهم و‬51,1٪ منهم لم يعرفوا ما هي القضايا التي يناقشها.

بيئة عشوائية

ومثل هذه النتائج تؤكد أن البيئة التي تعمل فيها الانتخابات هي التي تقرر نتائجها وليس الانتخابات نفسها، فالثقافة السياسية والوعي ومحدودية انتشار الأمية والاستقلال الاقتصادي والمالي هي الحاسمة في هذه العملية، ويستدلون على ذلك أن نجاح التحول الديمقراطي في بلدان المعسكر الاشتراكي بتلك السهولة والبساطة يؤدي إلى انخفاض معدل الأمية إلى ‬5٪ وارتفاع متوسط دخل الفرد إلى أكثر من ‬5000 دولار ووجود حرية فكرية وثقافية مجتمعية، فيما ترتفع الأمية في حالة اليمن إلى أكثر من ‬40٪ وتصل في بعض المناطق الريفية إلى ‬60٪ وإلى ‬70٪ بين الإناث، وإذا ما أضيفت إلى ذلك هيمنة النظام الأبوي (البطركي) ونزوعه للسيطرة، ومحدودية الحريات الثقافية والفكرية في المجتمع، وتدني متوسط دخل الفرد الحقيقي إلى أقل من ‬1000 دولار في العام.