عبر آلات تقليدية وجدت على الأرض الافريقية منذ قرون طويلة، نشأت موسيقى الرانجو بإيقاعاتها الراقصة التي حملها الأفارقة في وجدانهم عبر التاريخ، لتصاحب الأغاني التراثية، مقدمة في النهاية فنا له جمهور ذو ذائقة مختلفة.. والرانجو ــ لمن لا يعرفها ــ آلة يعود عمرها إلى أكثر من مئة وتسعين عاما مضت، وهي تشبه آلة الإكسلفون المعروفة، وتعد نوعا من أنواع آلة الماريمبا، ولكنها أكثر بدائية حيث تصنع يدويا من الخشب الموجود في الغابات.

ويمكنك التعرف أكثر على هذه الآلة والاستمتاع بإيقاعاتها الراقصة، إذا كنت من زائري القاهرة خلال أشهر الصيف، حيث ستكون على موعد أسبوعي مع فرقة الرانجو التي تقدم مزيجا من التراث النوبي والسوداني والافريقي بمركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية بوسط القاهرة، ليس هذا فقط بل ستجد نفسك واحدا من جمهور كبير للفرقة يضم غالبية الجنسيات الوافدة لمصر، وخاصة الأفارقة.

أغاني تراثية

تنتصر الفرقة التي نشأت عام ‬1996في جميع ما تقدمه من موسيقى وأغان للتراث، فطوال ‬14 عاما مضت لم يكتب لها أي أغنية جديدة إلى الآن، مفضلة أغاني التراث التي أعطتها شهرة عالمية، ومن أشهر هذه الأغاني: «لا بلدنا ــ البامبو ــ حربية يا لواء ــ الليلة الحنة ــ وبلدينا» وهي أغانٍ دائما يرافقها أداء راقص غير تقليدي وسط استمتاع محبي الموسيقى وعشاق هذا الفن.

ورغم الإقبال اللافت لأصحاب البشرة الملونة (الأفارقة) على عروض الحفلات «الرانجوية» فإن جولات الفرقة خارج مصر كان لها أثر كبير في تنوع الجمهور لتخرج بحيز محبي الرانجو من أصحاب البشرة الملونة إلى كل محبي المتعة الفنية الراقصة، فإذا صادفك الحظ وحضرت أحد عروض الفرقة فستجد كل الجنسيات تقريبا حاضرة للاستمتاع بحفلات الرانجو.

لكن..ما هي موسيقى الرانجو، يقول مؤسسها زكريا إبراهيم: إن جذور هذه الموسيقى تعود إلى جنوب السودان، قبل قدومها إلى مصر عن طريق محمد علي باشا، ففي عهده كان يتم استجلاب سودانيين للعمل في الجيش المصري وزراعة القطن، وقد عاش هؤلاء في أحياء مشتركة مع المصريين، منهم من عاش في مناطق الإمام الشافعي وعين شمس بالقاهرة وكرموز بالإسكندرية، ومنهم من أحضر معه آلته الموسيقية مثل الطنبورة والرانجو التي تصنع من الخشب، وتقدم موسيقاها عبر أنواع مختلفة من القرع مؤلفة حسب السلم الخماسي.

واستطرد إبراهيم في حديثه معنا قائلا: إن هؤلاء الذين عاشوا في أحياء مختلفة بالقاهرة اختلطوا بالنوبيين ومارسوا معهم الزار المصري، حتى تعرضت فنون الزار السوداني المصري معا للضعف، وبالتالي انقرضت آلة الرانجو بشكل عام منذ منتصف السبعينات من القرن الــ‬20، حتى جاء العام ‬1996 وتبنيت فكرة البحث عن تلك الموسيقى لإحيائها مرة أخرى والنهوض بهذا الفن الراقي، وكذلك البحث عما إذا كان لا يزال أحد على علاقة بموسيقى الرانجو أم لا حتى توصلت إلى «حسن برجمون» أشهر عازفي آلة الرانجو، وبدأنا معا في التفكير في إنشاء الفرقة.

‬11 آلة

يصل عدد أعضاء الفرقة الآن إلى ما يقرب من ‬9 أعضاء تتراوح أعمارهم بين‬25 و‬64 عاما، ويستخدمون نحو ‬11 آلة منها «الرانجو، المانجور، والأخيرة أشبه بحزام عريض من القماش مثبت عليه عشرات من حوافر بعض الحيوانات وأصداف البحر، يتم ربطه حول الوسط كنطاق، ويقوم الراقص بالهز وعمل حركات بوسطه وقدميه فيصدر من المانجور صوت إيقاعي عبارة عن خشخشة، أيضاً هناك آلات الدهلة والمراكش والجيمبي، وهي آلات أفريقية، وآلة البونقص وهي آلة الإيقاع النوبية الأصيلة، والتومبا والكريا والسمسمية».

وبالتحدث مع الفنان حسن مرسال، وشهرته حسن برجمون، كآخر عازف لآلة الرانجو، أكد أنه تربى على هذه الآلة منذ الصغر وتعلمها بالسلم الخماسي في الأفراح والزارات وليالي الحنة، لافتا إلى أنه تعلم أغاني الرانجو على يد فنانين كبار هم «محمد ألماظ ومصطفى كنداويل».

كسرات قصيرة

وبسؤاله عن طبيعة أغاني الرانجو، قال إن أغلبها عبارة عن كسرات قصيرة يتم ترديدها من قبل المطرب ويكررها من خلفه أو يردون عليه بجملة أخرى.

وأشار إلى أنه عند قيام الحرب بين مصر وإسرائيل عام ‬1967 اندثرت الكثير من الآلات الموسيقية التراثية، غير أن الرانجو ظلت موجودة وسط التجمعات السودانية بعد قيام عدد من الفنانين بالعزف عليها خلال تلك الفترة وأشهرهم زكريا إبراهيم، الذي تسلمت الراية منه محاولا المحافظة على هذه الآلة وفنها الراقي مرة أخرى.

عروسة الزار

وحول عروض الفرقة، قال: قدمنا عروضا كثيرة للجالية السودانية الموجودة في القاهرة وفي الإسماعيلية والإسكندرية، وأيضا في عدد كبير من المواقع الثقافية في مصر مثل الهناجر وبيت الهواري، وكذلك كان للفرقة نشاط على المستوى العالمي في فرنسا والسويد، كما قامت الفرقة بجولتين في الدول العربية خاصة في السعودية وخلال الفترة القادمة ستحيي الفرقة حفلات في أستراليا ونيوزيلاند.

وأشار عازف الرانجو إلى أن الفرقة حققت نجاحا كبيرا على المستوى العالمي، وقد بدا هذا واضحا من خلال نجاح ألبومها «عروسة الزار» الذي طرح في السوق العالمية، وتم اختياره في إنجلترا ليمثل مصر ضمن أحسن عشرة ألبومات ‬2010.