يمتهن حرفيون وعمال في غزة مهناً تواجه خطر الاندثار، حيث اعتادوا تلك الأعمال رغم مواجهة النار، «الفرّان» مهنة تعد من الحرف القديمة والتي تحتاج إلى جهد كبير، حرفة تقاوم الاندثار أمام غول الحداثة.

وإذا ما تجولت في شوارع غزة القديمة ستصادف حتماً الفرن البلدي الذي يعود لصاحبه صلاح شراب «70 عاماً» وإذا ما رأيت الفرن فإن الرائحة المنبثقة منه ستجذبك إليه تلقائياً عندما تشتم رائحة الخبز والقهوة المحمصة ستمشي وراءها من دون أن تشعر.

هذا الفرن يعود بك إلى زمن مضى من حقبة الحكم العثماني بحجارته الطينية القديمة وعبق التاريخ.

أكوام الحطب تملأ المكان، وأواني القهوة وعين الجمل والفستق المحمص مرصوصة بروية، فيما تصطف أواني الفخار وصواني الفطائر بنظام تنتظر دورها لتخرج ساخنة تسر الناظرين. وفي هذا الوقت ينساق عدد كبير من الناس في غزة لهذا النوع من الأفران بسبب اشتداد أزمة الكهرباء وزيادة ساعات قطع التيار التي لا تتيح لربات البيوت فرصة لاستغلال الكهرباء. صلاح شراب صاحب أقدم الأفران في غزة يقول: «إن هذا الفرن قديم جداً ويستخدم فيه الحطب والكرتون وفي ظل انقطاع الكهرباء والغاز يميل الناس للوسائل القديمة التي توفر لهم لقمة العيش تماشياً مع ظروف حياتهم».

ويشير شراب إلى أن «غالبية الزبائن من ربات البيوت والباعة المتجولين، فنقوم بطهي الرز والمشاوي والمعجنات للمنازل، ونعمل على تحميص الفستق والفول لأصحاب البسطات في الشوارع».

ويستذكر شراب قائلاً: «كنت آتي إلى الفرن لأقف بجوار أبي حتى أستمتع بحكايات زبائن الفرن وقصص أحوالهم، وما زلت أذكر طعم البطاطا المحمرة والفطائر التي يعطيني إياها أبي فور نضجها، فكان طعمها لذيذاً جداً لا يضاهيه شيء ولا يُعلى عليه». ويقول الحاج شراب: «أقوم بفتح الفرن في تمام الساعة السادسة صباحاً، فيتوافد عليه أول الزبائن: الباعة المتجولون يطلبون شواء الفول والفستق، ثم يخرج كل منهم إلى طريق رزقه، لتبدأ بعد ذلك مرحلة الخبز والطبخ التي لا تنتهي إلا عصراً».