مع بدء الشهر الثاني من المماحكات حول الملفّ الحكومي في لبنان، والذي بات تحت رحْمة الوقت الضائع الذي يُهدر عن سابق تصوّر وتصميم، إلّا إذا حصلت معجزة تخرجه من حلبة النكد ‏السياسي المُتبادل، ليحاكي حاجة البلد الملحّة إلى حكومة، لم ‏تعد وظيفتها محصورة بمحاولة معالجة الأزمة الاقتصادية وكلّ ما ‏تفرّع عنها من أزمات في شتّى المجالات، بل لعلّ مهمّتها الأساسية ‏هي محاولة تحصين البلد، بما أمكن لها، أمام ما قد تشهده المنطقة ‏من عواصف وتطوّرات دراماتيكيّة بدأت تحوم في أجوائها.

وفي القراءات المتعدّدة، فإنّ الحلّ للوضع اللبناني المأزوم يستوجب إمّا استرضاء كافّة الأطراف، وهو ما عجزت المبادرة الفرنسيّة عن توفيره وسط المعمعة الإقليميّة والدوليّة القائمة، وإمّا التسليم الكلّي والتامّ بمضمون المبادرة الفرنسيّة، التي اقتصرت في حدودها وأبعادها على إمكانيّة تجاوب القيادات اللبنانيّة في التخلّي عن نهجها في تقاسم الدولة ومغانمها وتسهيل مهمّة الحريري في الإتيان بحكومة اختصاصيّين غير حزبيّين.

وعليه، فإنّ ثمّة إجماع على أنّ كلّ مبادرة داخلية أو خارجية للأزمة اللبنانيّة ستبقى في إطار «لزوم ما لا يلزم»، ما لم تضع الإصبع على مكمن العطب الجوهري الذي يحول دون قيام الدولة ويواصل استنزاف ‏مقدّراتها وعلاقاتها العربية والدولية. وبهذا المعنى، وفق القراءات اللبنانيّة، ‎لم تعد المناشدات الخارجيّة عموماً، التي توجَّه تباعاً وبوتيرة تصاعديّة في الآونة ‏الأخيرة إلى السلطات والسياسيّين في لبنان، سوى تعبير عن ‏خطورة عالية من وجوه النظرة الدوليّة إلى انزلاق لبنان بسرعة نحو متاهات انهيار كبير. ولعلّ أسوأ ما يصاحب ‏ظاهرة التحذيرات ‏بمسار تأليف الحكومة، لم تعد تنذر بمزيد من الانسداد وتداعياته، بل أكثر بكثير فيما بدأت ‏التلميحات تتصاعد حياله، أي التمديد للفراغ المملوء بحكومة تصريف أعمال الى أجل غير مسمّى.