لم يكن العماد ميشال عون، منذ وصوله إلى سدّة الرئاسة الأولى في لبنان، أكثر صراحةً ممّا قاله يوم الاثنين الفائت: «نحتاج إلى أعجوبة»، مستشرفاً واقع الفشل في تشكيل الحكومة، بعبارة واحدة: «رايحين على جهنّم». أمّا ما لم يقله، فيخصّ بلداً لا يعاني أزمة حكْم فحسب، بل يعاني أزمة نظام، تمّ إنعاشه لمدّة 12 عاماً، لكنّه انتكس مجدّداً. وما اعتذار مصطفى أديب عن التكليف، أمس، ومغادرته قصر بعبدا، ليكون عبرةً لأيّ رئيس حكومة يأتي من بعده، سوى إحدى إشارات هذه الانتكاسة.

والحال أنّ الأزمة الحكوميّة الحالية، كشفت أنّ قسماً كبيراً من الدعوات للخروج من عباءة الطائفيّة، كانت تنطوي على تكاذب، ذلك أنّ الكثير من اللبنانيّين ما زال يرى في الطائفة حامية له، وامتيازاً لـ «التهام» الدولة. ذلك أنّ الرئيس المعتذِر، أمس، وجد نفسه من دون تأليف، إذ لم تغبْ طائفة عن التدخل، في حين طغى دور «حزب الله وحركة أمل» تماماً، على مجمل التطوّرات المتصلة بأزمة تشكيل الحكومة، إلى حدّ أنّه اضطلع بدور رأس الحرْبة في تحويل هذا الاستحقاق إلى أزمة، بعدما انبرى إلى استنفار حلفائه لإعادة مشهد تحالف «8 آذار» إلى الساحة.

وقائع.. وترقّب

ومن بوّابة ما بعد «ثورة 17 أكتوبر»، التي كانت شاهدة على استقالة حكومتين في أقلّ من سنة (حكومة الرئيس سعد الحريري، وحكومة الرئيس حسّان دياب)، ووسط الأزمة التي يعيشها لبنان، طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فكرة التوصّل إلى عقْد سياسي جديد في لبنان، ومعها ارتفع منسوب كلام البعض، عن أنّ الخروج بتسوية تحت مظلّة السِلم، أفضل بكثير من تسوية تحت نار البنادق.

وكان قد تمّ تكليف السفير مصطفى أديب، بتشكيل الحكومة الجديدة، الذي واجه تحدّي صياغة حكومة إنقاذ وطني تتجاوز، بتركيبتها وبرنامجها، الاصطفافات السابقة، لتلامس التحديات المصيريّة التي تواجه اللبنانيّين، في حاضرهم، كما في مستقبلهم. وفي المحصّلة، آثر أديب الاعتذار عن التكليف، بدل «الاحتراق» في دوّامة الشروط والشروط المضادّة. ولم يكن الخلاف حصراً على وزارة المال، وإنْ كانت «أمّ العقد»، بسبب موقف «الثنائي»، الذي تمسّك بتسمية وزير المال والوزراء الآخرين. علماً بأنّه، حتى لو تنازل أديب عن هذه النقطة، كانت ستبرز عقد جديدة، ومنها عقْدة لدى رئيس الجمهورية، الذي يريد الشراكة بعملية التشكيل.

وبات لبنان على باب النفق الذي قد يؤدّي به إلى المجهول، وأمام احتمالين، لا ثالث لهما: العودة إلى التوافق على رئيس للحكومة، وهذا يحتاج إلى وقت وشروط متعدّدة تسوويّة، لا يبدو أنّها متوفّرة حالياً، ما يعني انتظار الانتخابات الأمريكيّة وما بعدها، أو تشكيل حكومة بشروط «حزب الله»، أي حكومة مواجهة من قبل «قوى 8 آذار»، يختار الحزب رئيسها ووزراءها، إلا أنّ ذلك لن يحلّ المشكلة، لأنّ الضغوط الأمريكية مستمرّة، وشرطه الأساسي، هو عدم مشاركة «حزب الله» بأيّ تركيبة حكوميّة.