مرفأ بيروت.. والرماد المنثور فوق أنقاض نكبتيْن

في الرابع من أغسطس الفائت، شهد مرفأ بيروت إنفجاراً هائلاً، إهتزّ معه كلّ لبنان، أرضاً وبشراً وحجراً، مخلّفاً مرفأً منكوباً، وعاصمة مفجوعة غارقةً في الدماء، بدت وكأنّها تمشي بجنازة الشبّان والأطفال والشيوخ والنسوة، الذين قضوا، إذ لم يخلُ منزل من منازلها أو حيّ من أحيائها من إصابة بعزيز أو أشياء محسوسة، وذلك بفعل أحد أكبر الإنفجارات الكيماويّة في العالم.

وغداة الكارثة الكبرى التي حلّت بلبنان وضمّخته بدماء شهداء وجرحى الإنفجار الرهيب الذي ضربه في خاصرته البحريّة في مرفأ بيروت، بفعْل فتيل «نيترات الأمونيوم» الذي دوّى عصفاً مزلزلاً في بيروت.

وأحالها في لحظات وكأنّها ستختفي تحت ركامها، لم يكن ينقص المشهد الكارثي على المرفأ ذاته سوى نشر صورة تظهر العمال الذين كانوا يقومون، أول من أمس، بعمليّة تلحيم أو قصّ حديد، ما أدّى إلى تطاير الشرارة الأولى على الزيوت المحترقة والإطارات المطّاطيّة ومستحضرات التجميل، التي صودف تخزينها في المكان، فوقعت الكارثة.

وبسبب الحرّ الشديد، ومن دون هزّة أرضيّة ولا صوت انفجار ولا نيترات أمونيوم، إندلع حريق مفاجئ، فهرعت سيارات الإطفاء والدفاع المدني ومروحيات الجيش للإطفاء، فيما كان الدخان الأسود يدخل الى المنازل المحيطة بالمكان، لأن لا نوافذ تحمي أبواب تمنع الدخان من الدخول. وفي المحصّلة، قد يُحال الحريق إلى المجلس العدلي ويُعيّن محقّق عدلي له، وقد يُدمج في قضية انفجار 4 أغسطس الفائت.

وما بين المشهدين، حريقان على مسافة نحو خمسة أسابيع، في مكان واحد، متاح لورش الأعمال ولصاروخ متطاير الشرارات وتلحيم على عمليات تنجيم عما يحصل، ومدينةٌ لا أبواب لها تغلقها، فكان عليها أن تواجه الحريق المكرّر من دون أن يتمكن أبناؤها من تسكير نوافذهم، لكونها في العراء منذ الإنفجار المدمّر.. وما بين المشهدين أيضاً، القضاء متداخل مع الأجهزة، والطرفان لا يعرفان على من تقع المسؤوليات.

فيما المدير العام لإدارة مرفأ بيروت يتذكر متأخراً أن يصدر تعميماً، أمس، يطلب فيه منْع إستيراد أو تخزين المواد القابلة للإشتعال. أمّا الحكومتان، حكومة تصريف الأعمال وحكومة قيد التشكيل، فقد تعاملتا مع اللبنانيّين وأهالي بيروت عن بعْد، من دون الإشراف المباشر على أعمال الإطفاء والتدقيق في المسؤوليات.

ووسط الغياب السياسي، فإنّ نسخة كربونيّة قاتمة السواد عن الرابع من أغسطس الفائت طبعت يوم اللبنانيين، أول من أمس، بالزيوت المحترقة والإطارات المطّاطيّة ومستحضرات التجميل، وإنْ حالت العناية الإلهيّة دون وقوع مجزرة بمئات العمال الموجودين في المرفأ، أو تمدّد الحريق الى عنابر تحوي مواد قابلة للإنفجار. أمّا بيروت، فغصّت بخيبتها أكثر جراء الإهمال، إذ بدت النيران كأنّها تلتهم ما تبقّى من أحلامها وآمالها، وهي التي لم تكمل بعد تضميد جراحها، ولم تنجُ من المستثمرين بأوجاعها.

والى أن ينجلي دخان الحريق عن الأسباب والتداعيات، لا تزال فرضيات عديدة تتصاعد من بين الدخان الذي جعل بيروت «مدينة منكوبة»، بكلّ ما للنكبة من أبعاد. أمّا اللبنانيون، على اختلافهم، فجمعهم مجدّداً المصاب الواحد والحزن الواحد والقلق الواحد على وطن يتعرّض للتدمير الشامل، فيما ارتفع منسوب مطالبتهم بضرورة نزول السلطة الى الأرض، بمبادرات، حتى ولو كانت مكلِفة، لبلسمة الجروح العميقة التي حفرها الزلزال والحريق في العاصمة وأبنائها، حيث لم يبقَ أخضر ولا يابس إلا واحترق، ولا قلوب ولا آمال إلا وأضحت مجرّد رماد مثور فوق الأنقاض.. أمّا لسان حالهم، فيقول: التحقيق في انفجار 4 أغسطس مازال في مراحله الأولى، فكيف سيكون التحقيق في حريق 10 سبتمبر؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات