ما الجدوى من استحداث منصب نائب الرئيس في الجزائر؟

تضمنت مسودة الدستور الجزائري تسعة محاور رئيسة، منها تحديد الفترة الرئاسية بعهدتين، وتحديد العهدة البرلمانية للنواب بعهدتين، وإلغاء تعيين الرئيس للثلث الرئاسي، إضافة إلى إرسال وحدات الجيش إلى الخارج لأول مرة وبشروط، غير أن الجدل كان حول استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية وماهية صلاحياته، إذ منحت المسودة لرئيس الجمهورية صلاحية تعيين نائب له، ويمكن أن ينهي مهامه ويفوضه بعضاً من صلاحياته، باستثناء تلك المتعلقة بتعيين أعضاء الحكومة، أو الدعوة إلى استفتاء شعبي.

واقترحت مسودة الدستور التي ستكون محل مناقشة وإثراء من قبل الطبقة السياسية، أن يتم استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية لأول مرة، حيث يقوم هذا الأخير بتعيينه، ليكون سنداً له في ممارسة صلاحياته، حسب رأى اللجنة، في حال حصول مانع له، أو عند شغور منصب رئيس الجمهورية، وهو ما يسمح – حسب اللجنة – بإتمام العهدة وضمان استمرارية المؤسسات، حيث جاء في نص المادة 95 من مسودة التعديل الدستوري، على أنه يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائبا له، وينهى مهامه، ويمكن أن يفوض له البعض من صلاحياته، باستثناء تعيين رئيس الحكومة وأعضائها، ورؤساء المؤسسات الدستورية، الذين تبقى صلاحية تعيينهم حصرية لرئيس الجمهورية، ووفق للمادة 98 من التعديل، فإنه في حال حدوث مانع لرئيس الجمهورية، يتولى نائبه الرئاسة بالنيابة لمدة أقصاها 45 يوماً.

وصلت مسودة الدستور الجزائري إلى محطة مجلس الوزراء، لتكون الإجراءات قد وصلت إلى مرحلتها الأخيرة، قبل إحالتها إلى غرفتي البرلمان، وذلك بعد مسيرة طويلة من المشاورات، تخللها تقديم الطبقة السياسية لأكثر من ألفي مقترح.

وكلف الرئيس عبد المجيد تبون، أحمد لعرابة بترؤس فريق من الخبراء لإعداد مسودة الدستور، بداية يناير الماضي قبل أن يتسلم تبون من لعرابة نحو ألفين و500 مقترح لإثراء المسودة نهاية يوليو الماضي، بعد نحو شهرين من المشاورات مع الطبقة السياسية.

وقال رئيس المجلس الدستوري، جمال فنيش، وفق ما نقلت عنه تقارير إعلامية جزائرية، إن التعديل الدستوري، يقترح نظاماً «يتمتع فيه البرلمان ويمارس مهمته بشكل كامل وحرية في مراقبة النشاط الحكومي، وبطريقة تعكس وتعبر عن رأي الشعب وسيادته». ووفق فنيش، فإن المشروع الجديد يهدف إلى «إعادة تنظيم المؤسسات الدستورية، مع فصل واضح ومرن للسلطات في نظام شبه رئاسي، يكون مشبعاً بأفضل ممارسات النظامين الرئاسي والبرلماني الكلاسيكيين ويتوافق والسياق الجزائري».

ومن بين المستجدات التي جاءت بها مسودة الدستور، استحداث منصب نائب للرئيس، وهو المنصب الذي لجأ إليه المشرع، نتيجة للتجربة التي عاشتها البلاد في عهد الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان عاجزاً عن العمل وفي غياب منصب نائب الرئيس، الأمر الذي فتح المجال أمام «قوى غير دستورية» كي تعبث بمؤسسات الدولة.

غير أن المسودة تتحدث عن إمكانية رئيس الجمهورية تعيين نائب له وليس وجوباً، كما أنها لم تحدد أية صلاحية لنائب رئيس الجمهورية، ولم تتحدث عن وجوب تعيينه، وهل يكون منتخباً مع رئيس الجمهورية أو يكون مساعداً له فقط، أو يبقى تعيينه مرتبطاً بظرف سياسي معين، وهي القضية التي يرى الكثير من المراقبين بأنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوضوح.

وينتظر أن تأخذ هذه المسألة قسطها من النقاش على مستوى الغرفة السفلى للبرلمان، إذا ما قرر الرئيس منح المجلس المطعون في شرعيته، شرف مناقشة المسودة، رفقة غير ذلك من النقاط المختلف فيها، وعلى رأسها إمكانية توسيع صلاحيات البرلمان وتفعيل مراقبة عمل الحكومة بشكل صارم، كما تطالب المعارضة.

ويشكل قرب طي صفحة الدستور الجديد، خطوة كبيرة على طريق الانتقال إلى ورشات أخرى لا تقل أهمية، وعلى رأسها مراجعة المنظومة القانونية، التي تؤسس للجمهورية الجديدة، كما يصطلح عليها في مرحلة ما بعد 22 فبراير 2019، وهذا لن يحصل إلا من خلال إعادة النظر في الكثير من القوانين العضوية الموروثة من حقبة بوتفليقة.

ويأتي في مقدمة تلك القوانين، قانون الأحزاب وقانون الانتخابات وقانون الإعلام، باعتبارها المنظومة التي تؤطر العمل السياسي وتنظم العملية الانتخابية، وتصحح الاختلالات الحاصلة في قطاع الإعلام، في آجال قصيرة، حتى تتمكن البلاد من مباشرة الاستحقاقات المقبلة في أريحية.

وترأس، اليوم، تبون، الاجتماع الدوري لمجلس الوزراء، وذلك للمصادقة على مشروع التعديل الدستوري الذي بلغ محطته الأخيرة بدخوله مرحلة الحسم القانوني خلال هذا الأسبوع والفصل الشعبي في الأول من نوفمبر المقبل.

ورجحت مصادر برلمانية إحالة مشروع التعديل إلى مكتب البرلمان هذا الأسبوع، كما لم تستبعد المصادر اجتماع المكتب وتحديد جدول جلسات النقاش بعد مناقشة لجنة الشؤون القانونية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني، في وقت تذهب جميع المؤشرات إلى أن تبون سيستدعي الهيئة الناخبة في أجل أقصاه الـ 16 سبتمبر الجاري، أي خلال الـ 10 أيام المقبلة، وذلك بالرجوع إلى التاريخ الذي اختاره الرئيس لعرض التعديل الدستوري للاستفتاء الشعبي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات