على مفترق طرق يعيش لبنان منذ الزلزال السياسي الذي أحدثه انفجار مرفأ بيروت، وما خلّف من خسائر بشرية، ومادية وتفاعلات سياسية على المستويين الداخلي والدولي، لا تزال تداعياتها تتردّد في كل جنبات المشهد المأزوم. لقد بلغ الاضطراب في لبنان مداه بفعل الانفجار الذي سبقه تداعٍ اقتصادي غير مسبوق أفرغ الخزينة اللبنانية من العملات الصعبة وألقى باللبنانيين إلى حافة الفقر. عاد الشارع في لبنان أكثر زخماً مما كان في أكتوبر الماضي، فيما الطبقة السياسية عاجزة حتى الآن على الأقل عن الوفاء بمتطلبات المرحلة الحساسة التي يمر بها الجميع، وغير مدركة بنظر الكثيرين للمخاطر التي تتربّص بالبلاد، فيما تدرك بنظر آخرين ما يحدق بالبلاد من ويلات، لكنها تفتقر إلى الشجاعة في اتخاذ قرارات تفتح الطريق أمام الإصلاح الذي بُحت أصوات الكل في المطالبة به.
لا تقتصر مطالب الإصلاح ومكافحة الفساد على اللبنانيين المكتوين، بل تمثّل كذلك مطلباً رئيسياً لا حياد عنه للمجتمع الدولي وعلى رأسه فرنسا وأمريكا اللتان تدفعان وبكل ما أوتيتا من قوة لإجبار الطبقة الحاكمة في لبنان على الامتثال للمطالب وتحقيق اختراق جذري في السياسات التي حكمت البلاد عقوداً دون أن تثمر عن شيء نافع، بل على العكس أدخلت البلاد في نفق مظلم لا يُرى ضوء في آخره. يرهن الخارج تقديم المساعدات لإنقاذ الاقتصاد اللبناني بتنفيذ الإصلاحات والاستجابة لمطالب الشارع الغاضب التي يتبدى ومن خلال ما رفعه من شعارات خلال الآونة الأخيرة فقدانه الثقة في سياسييه. يراهن الجميع على أن لحظة الحقيقة قد حانت، وأن على الطبقة الحاكمة بكل مكوّناتها مواجهتها بل والوفاء بما تقتضيه من إصلاحات وربما تنازلات من أجل المصلحة العامة وحتى تنجو السفينة من الغرق، إذ حرم «انفجار المرفأ» ساسة لبنان من هامش المناورة الذي طالما استغلوه على مدى سنوات إن لم يكن عقوداً.
لقد ضاقت الخيارات كثيراً أمام الأطراف اللبنانية في ظل ضغط الشارع وضغوط الخارج الذي يبدو جاداً أكثر من أي وقت مضى في حمل الساسة اللبنانيين على انتهاج رؤى مختلفة إن لم تكن مغايرة تماماً لما تمّ انتهاجه وأفرز نتائج عكسية قادت المشهد إلى الحافة. يحط الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ضيفاً ثقيلاً على بيروت، بنظر ساستها المتوجسين مما يحمل من أدوات ضغط عليهم، وضيفاً تُفرش له الورود بنظر الشارع الذي يحدوه الأمل في ضغوط الخارج على ساسته ليستجيبوا لمطالبه التي خرج من أجلها في حراك أكتوبر الماضي ولم تجد من آذان صاغية، وكررها الشهر الماضي غضباً على انفجار المرفأ، فيما المطالب بين أكتوبر وأغسطس هي ذاتها الإصلاحات ومكافحة الفساد.
