ما أن تضع قدميك في مدخل البلدة القديمة في نابلس، حتى تبدأ تتسرب إلى أنفاسك روائح المأكولات الشعبية المنبعثة من مطعم التيتي أقدم المطاعم في المدينة، وإن حالفك الحظ وزرت المطعم، سيخيل لك للوهلة الأولى أنك في متحف للصور القديمة والانتيكا، فرغم ضيق المكان إلا أنه يجمع حضارات العالم في لوحة فنية منظمة علقت في سقف وأنحاء المكان بطريقة جذابة للزائرين لا سيما الأجانب.
تجاوز عمر المطعم 120 عاماً، يقدم لزبائنه المأكولات النابلسية الشعبية القديمة، ويعد طبق العجة الطبق اليومي الرئيسي في المطعم، إضافة إلى أكلة البابا غنوج، وخلطة اللبن بالكوسا والباذنجان المشوي، والمحمرة، والطحينية.
تلقى صاحب المطعم أبو محمد التيتي (56 عاماً) عروضاً مالية كبيرة ومغرية، لبيعه الذي ورثه عن والده وأجداده، إلا أنه رفضها رفضاً قاطعاً، وآثر أن يظل المطعم وجهة نابلس التراثية والحضارية، وعنواناً للأجيال القادمة.
ووضح التيتي لـ«البيان» أن المطعم هو واحد من 6 مطاعم قديمة تعود لعائلة التيتي، تم إغلاق خمسة منها، وبقي هذا المطعم الإرث التاريخي الوحيد المتمسك بأصالة نابلس وعراقتها، ومن أشهر الشخصيات التي زارت المطعم وتذوقت أطباقه الشعبية، ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمّار).
يعود التيتي في ذاكرته إلى الوراء سنوات عدة، ليسترجع بعض المواقف التي تركت أثراً إيجابياً كبيراً في نفسه قائلاً: «قبل سنوات زارنا وفد شبابي، وبعد أن التقطوا الصور وشاركوها مع ذويهم، تفاجأت إحدى الصبايا أن جدها قد تعرّف إلى المكان في الصورة وأخبرها أنه تناول فيه وجبات الفطور إبان الحكم العثماني في المنطقة».
ويتابع قبل عامين زارت المطعم سيدة ثمانينية مع أولادها وأحفادها، من الداخل الفلسطيني، وبعد أن تأكدت من اسم المطعم واسترجعت ذاكرتها جيداً، اتضح أنها زارت المطعم برفقة زوجها قبل نحو 50 عاماً.
ونوه التيتي إلى أن إقبال الزائرين على المطعم قد تراجع إلى النصف في ظل فرض نظام الإغلاقات المتكررة وتطبيق سياسة التباعد بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، بعد أن كان المكان يعج بالزبائن والزائرين الأجانب.

