الاختيار والتغيير «كرة نار» أمريكية في ملعب لبنان

وسط ازدحام الأساطيل عند المرفأ المدمّر، غادر نائب وزير الخارجيّة الأمريكيّة للشؤون السياسيّة ديفيد هيل بيروت، عائداً إلى بلاده أوّل من أمس، تاركاً خلفه سؤالاً طرحه على المسؤولين اللبنانيّين: أي لبنان أنتم فيه، وأيّ لبنان تريدون في المستقبل؟

وهذا السؤال كان بمثابة «كرة نار» أولى، وفق القراءات المتعدّدة، إذ دعمه الدبلوماسي الأمريكي بمطالبة كلّ من التقاهم بضرورة «إحداث تغيير»، وبالتذكير بما أسماه «فشل» السلطات اللبنانيّة، وعلى مدى عقود، بالوفاء بالتزاماتها، لجهة وقْف الفساد وسوء الإدارة وتنفيذ الإصلاحات الفعليّة، بعيداً من الوعود غير القابلة للترجمة الفعليّة. أمّا «كرة النار» الثانيّة، فرماها هيل في ملعب اللبنانيّين، المنقسمين أصلاً، ومفادها أنّ واشنطن، كما حلفائها، لن تملي على اللبنانيّين أيّ مخارج من الأزمة الحاليّة.

دلالات ورسائل

إلى ذلك، تجاوزت الدلالات والرسائل التي أنهت ثلاثة أيّام من زيارة هيل لبيروت موضوع تشكيل الحكومة الجديدة، وسط التشدّد الأميركي برفض مشاركة «حزب الله» فيها، لتتناول المواقف الاستراتيجيّة الأبعد منها، بدءاً من إدانة «الفشل الكبير» في التزام الإصلاحات، مروراً بالتحقيق في «جريمة المرفأ» الذي ستتولاه لجنة دوليّة بمشاركة فريق من مكتب التحقيق الفيديرالي (إف بي آي)، ووصولاً إلى ربْط شبه مباشر بين واقع فلتان الحدود اللبنانيّة ومجمل الوضع الأمني. وعلى المقلب الآخر من المشهد، أوجزت مصادر سياسيّة لـ«البيان» مضمون الرسالة الأمريكيّة التي نقلها هيل للمسؤولين اللبنانيّين، ومفادها أنّ أوان الاختيار قد حان، بين الشرعيّة واللاشرعيّة في لبنان، بعيداً من قيود المحاور والصراعات الخارجيّة. أمّا الهدف، فهو تحرير السلطة والشرعيّة اللّبنانيّتين من قبضة «حزب الله»، عبر الإصرار على الذهاب نحو حكومة مستقلّة تماماً عن الحزب.

هكذا، قالت واشنطن كلمتها ومضت، تماماً كما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، العائد في الأوّل من سبتمبر المقبل إلى بيروت، ليحصل عل أجوبة من المسؤولين اللبنانيّين عن الخطّة التي قدّمها في زيارته إلى لبنان، في شأن تشكيل حكومة لديها مهمّة «الإنقاذ». وفي المحصّلة، ووفق القراءات أيضاً، تبدو صورة الأيّام المقبلة في لبنان قاتمة، ذلك أنّ الأمريكيّين، ومعهم الفرنسيّون، لم يطرحوا حلولاً محدّدة، ولم يضعوا شروطاً لشكّل الحكومة المقبلة، باستثناء شرْط الإصلاحات أولاً، قبل أيّ مساعدات، وشرْط أن تكون الحكومة مقبولة من شارع «ثورة 17 أكتوبر».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات