تقارير « البيان»

مرفأ بيروت.. «شريان حياة» تحت النكبة

بالأمس البعيد، كان مرفأ بيروت يعانق السفن وزوارق الرحّالة. افتُتح عام 1894 أمام حركة الملاحة البحريّة، وإن كان ميلاده قبل ذلك بقرون طويلة، فهو «توأم لبنان» و«شقيق الأرز» و«ابن الضفاف العريقة»، كما يصفه اللبنانيون. وفي سجّله ما دوّنه الكاتب اليوناني سيلاكس يوماً، حين قصد بيروت بين عامَي 510 و515 قبل الميلاد: «بيروت مدينة ومرفأ»، وقصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش، تقول: «بيروت، الشوارع في سفن، بيروت، ميناءٌ لتجميع المدن».

وحتى الأمس القريب، ظلّ هذا الميناء «نفحة بيروت»، تتنفّس بها وتقتات منها، حيث كان يستقبل سنوياً نحو 3100 سفينة، كما كان يرتبط بعلاقات مع أكثر من 300 ميناء دولي، ما جعله محطّة دوليّة للاستيراد والتصدير، وهو الذي كان يطلّ على منشآت إداريّة وخدماتيّة، وعلى 16 رصيفاً ومستودعات عدّة، عدا عن صوامع تخزين القمح. وبين غمضة عين وانتباهتها، دوّى الانفجار.. وقبل التقاط الأنفاس تطاير لهيب الكارثة، وقضى على الميناء.

بين الأمس واليوم، تبدّل المشهد، بفعل عصف الانفجار في المرفأ، تماماً كما في الأفلام التي ترسم مشهد نهاية الكون. ذلك أنّ الغيمة التي تلوّنت سريعاً، من حمراء إلى سوداء إلى رماد سامّ، في سماء المرفأ، بدت صورة مستعادة من أفلام الحروب في سماء بيروت. مرفأ عاش تحوّلات كثيرة، بين التطوير والتحديث، وحروباً وهجمات واحتلالات وغزوات، لكنّه لم يصل مرّة إلى مثل هذه المشهديّة «الهيروشيميّة»، إذ ضاعت معالم المكان، وما كان مرفأً صار ساحة حرب: سيارات محروقة، بشر بلا أثر، رافعات مهشّمة، دخان يتصاعد، حفرة ضخمة، سواد في سواد، صوامع القمح تحوّلت نصباً شاهداً على الجحيم، والدماء تغطّي كلّ شيء.

وفي الأرض المحروقة، ومن خلف الغبار الذي لم ينجلِ بعد، سؤال يتردّد على كلّ شفة ولسان: ماذا في «الصندوق الأسود» للجريمة؟، والتي تحوّل معها الكلام مجرّد أداة ممجوجة، وحتى الصور المروّعة صارت بلا رحمة وكأنّها تتلذّذ بالمآسي.. وفي المحصّلة، انتهى مرفأ بيروت، ومُسِح عن بكرة أبيه، وصار السؤال يدور حول البديل. وتبقى صورة بيروت من صورة مينائها حتى إشعار آخر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات