تقارير البيان

الغضب يوحّد اللبنانيّين

لليوم الثاني على التوالي، انشغل اللبنانيّون بلملمة جراحهم، والتكاتف يداً بيد لـ«كنْس» ما أمكن من الوجع والألم مع مخلّفات الانفجار الكبير، فيما لا تزال الحيرة ونداءات الاستغاثة تملأ وسائل الإعلام، والناس يبحثون بين الأنقاض عن الضحايا، ويتنقّل الأهالي بين المستشفيات وردهات الطوارئ بحثاً عن أحبّاء ومفقودين.

وما بين المشاهد التي تكرّ كسبّحة، غضب غير مخفيّ ووضع إنسانيّ في منتهى الكآبة وألم في ذروته، حيال مشهد بلد دخل فعلاً موسوعة المصائب، ويقف على مفترق مصائب متناسلة من بعضها البعض، ومتتالية كحلقات متواصلة، بدءاً من المصيبة الاقتصادية والمالية التي خلّعته بالكامل، مروراً بالمصيبة «الكورونيّة» التي تفتك بواقعه الصحّي، والمصيبة السياسيّة التي هي وحدها «أمّ المصائب»، ووصولاً إلى المصيبة الكيميائيّة التي دمّرت العاصمة برمْشة عيْن وهوت بها إلى قعر الوجع والحزن والخراب.

وهكذا، كان يوم 4 أغسطس 2020 الأكثر شؤماً في تاريخ لبنان، كأنّه «يوم الدينونة»، وفق تعبير سيّدة ستينيّة. ومن بوّابته، بات المشهد يستحيل على الكلام أن يصفه، ولا أن ينقل صورة تلك اللحظات الجهنميّة التي تصاعد فيها الانفجار وغلالته الفطريّة التي أحدثها، وأزهقت أرواح العشرات، وأهرقت دماء الآلاف من اللبنانيين ممّن كانوا يسعون إلى رزقهم والإفلات من حبْل المشنقة الاقتصادية والمالية التي حكمت عليهم بالإعدام المعيشي.

وفيما التحقيقات تسير ببطء، وسط حال من الذهول والإرباك لديهم، يبدو اللبنانيّون وكأنّهم فقدوا الأمل، يبحثون عن أجوبة بين ركام الإعصار المدمّر، وعمّن يبلسم جراحهم ويبدّد مخاوفهم. أما غضبهم، بحسب الشهادات المتتالية عبر وسائل الإعلام، فنابع من كوْن قنبلة مرفأ بيروت ألقاها «تحالف الإهمال» منذ عام 2014، تاريخ إدخال المواد الممنوعة والشديدة الانفجار، وصولاً إلى عصر يوم الاثنين الفائت، تاريخ انفجار الــ2750 طناً من «نترات الأمونيوم»، التي حوّلت العاصمة بيروت إلى «مدينة منكوبة» وأوقعت مئات الضحايا والجرحى، وسبّبت خسائر ماديّة تُحسب بمليارات الدولارات.

كما أنّ الغضب اللبنانيّ نابع من كوْن المسؤولين كثر في هذه القضية: وزراء أشغال، لجان أشغال نيابيّة، رؤساء أجهزة أمنيّة، مسؤولو جمارك، قضاء، رئيس مرفأ ووكلاء شحن. وذلك، بالإضافة إلى رؤساء حكومات ووزراء وسياسيّين تعاقبوا على تغطيتهم، فكانوا فوق المحاسبة وفق قاعدة «يا جبل ما يهزّك ريح». فمنذ عام 2014، تاريخ دخول الشحنة مرفأ بيروت، وصولاً إلى اليوم، هم، إمّا حلفاء لهم، وإما شركاؤهم، وإمّا من معسكراتهم السياسيّة. أمّا لسان حال اللبنانيّين المفجوعين، فيسأل: من يحاسب من؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات