فرضيات مفتوحة على كل الاحتمالات

غداة الكارثة الكبرى، التي حلّت بلبنان وضمّخته بدماء شهداء وجرحى الانفجار الرهيب، الذي ضربه في خاصرته البحريّة في مرفأ بيروت، بفعْل فتيل «نيترات الأمونيوم»، الذي دوّى عصفاً مزلزلاً في بيروت، وأحالها في لحظات وكأنّها ستختفي تحت ركامها، ارتفع منسوب الأسئلة والفرضيات المرتبطة بهذه الكارثة، والتي ما زالت تتصاعد من بين الدخان، الذي جعل بيروت «مدينة منكوبة» بكلّ ما للنكبة من أبعاد، في بلد لم تعد تُحصى نكباته.

روايتان

وفي ضوء هذه الأسئلة التي تتطلّب أجوبة من السلطة، وفيما سيذكر التاريخ طويلاً «انفجار بيروت» بوصفه أحد أكبر الانفجارات الكيماوية في العالم، والذي دوّى عشيّة نطْق المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان بالحكم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تجاذبت روايتان أسباب حدوث هذا الانفجار الهائل، الأولى تقول إن سببه انفجار نحو 2700 طن من مادة «نيترات الأمونيوم»، المُصادرة منذ نحو 6 سنوات من أحد البواخر، وتمّ الاحتفاظ بها في العنبر رقم «12» في المرفأ، من دون أن يُعالَج وضعها، رغم إدراك المعنيّين بخطورتها وتسطير جهة معنيّة قبل أشهر تقريراً يحذّر من انفجارها. أمّا الرواية الثانية، فتتحدّث عن عمل عسكري إسرائيلي استهدف هذا العنبر، خصوصاً أن عدداً من شهود العيان تحدّثوا عن وجود طيران إسرائيلي في الأجواء عند وقوع الانفجار، والذي جاء على مرحلتين: انفجار أوّل تصاعد منه دخان أبيض، تلاه انفجار آخر شديد القوّة، اهتزّت معه بيروت وضواحيها، وكأن زلزالاً عنيفاً ضربها.

.. وخلاصات أوّليّة وما بين الروايتين، علمت «البيان» أنّ تقريراً قدّمه رئيس جهاز أمن الدولة طوني صليبا إلى المجلس الأعلى للدفاع، ليل أول من أمس، يروي فيه أنّ 2750 طنّاً من كمية «نيترات الأمونيوم»، تمّت مصادرتها عام 2014 من باخرة تحمل العلم المولدوفي كانت تتّجه إلى موزمبيق، وتعرّضت لعطل في هيكلها. وأثناء تعويمها، عُثِر على البضاعة، وهي مواد شديدة الإنفجار، ونُقِلت إلى العنبر الرقم «12»، حيث تمّ تخزينها وحفظها إلى أن يبتّ بها القضاء كونها بضاعة محجوزة، ومنذ فترة، وأثناء الكشف على العنبر، تبيّن أنّه يحتاج إلى صيانة وقفل للباب الذي كان مخلوعاً، إضافة إلى فجوة في الحائط الجنوبي للعنبر يمكن من خلالها الدخول والخروج بسهولة، وطُلِب من إدارة مرفأ بيروت تأمين حراسة للعنبر، وتعيين رئيس مستودع له، وصيانة كلّ أبوابه ومعالجة الفجوة الموجودة في حائطه.

وفي خلاصة ما ثبت حتى الآن، هو أنّ أهل الحكم والحكومة كانوا على دراية تامّة بوجود قنبلة كيماوية موقوتة في وسط العاصمة، ولم يتحرّكوا ولم يحرّكوا ساكناً لتفكيكها، إلى أن حصل ما «يشبه انفجارَي هيروشيما وناغازاكي»، على حدّ وصْف محافظ بيروت مروان عبود، أمّا الخشية، بحسب إجماع مصادر سياسيّة متعدّدة، فهي في معالجة الأمور على الطريقة اللبنانيّة، بكثير من الاستهتار وقليل من الحذر، لأن المسؤولية في مثل هذه الحالات تموت مع مرور الزمن. ويبقى السؤال معلّقاً حتى إشعار آخر: هل هو الإهمال فعلاً، أو هناك من عرف بوجود هذه المواد، واستغلّ الظرف لينفّذ جريمته؟.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات