لليوم الثالث على التوالي، بقي لبنان تحت تأثير ارتدادات المحطّة الفرنسيّة، من بوّابة الكلام الذي قاله وزير الخارجيّة الفرنسيّة جان - إيف لودريان خلال زيارته بيروت، والذي تضمّن تحذيراً مفاده أنّ البلد بات على «حافّة الهاوية، في حال لم تسارع السلطات إلى اتخاذ إجراءات لإنقاذه»، محدّداً للسلطة الحاكمة في لبنان خيارين: إمّا أن تتّجه، ولو متأخرة، نحو الإنقاذ، ومعبره الإلزامي الشروع بإصلاحات جديّة، وإمّا أن تبقى ثابتة على أدائها ومراوحتها في مربّع العجز والإرباك والمكابرة، وبذلك تمنح البلد، عن سابق تصوّر وتصميم وإصرار، تأشيرة الدخول في الهلاك الحتميّ.

ولأنّ التجربة مع هذه السلطة ليست مشجّعة، بحسب القراءات المتعدّدة، فإنّ الخيار الثاني هو الأكثر ترجيحاً، وخصوصاً أنّ التحذيرات التي أطلقها لودريان، في معرض إعرابه عن القلق الفرنسي على لبنان، لم تلقَ آذاناً صاغية من جانب السلطة، وهي التي قابلت قلق الوزير الفرنسي بالهرب إلى الأمام، عبر التأكيد أنّها خارج قفص الاتّهام. ذلك أنّ النقاشات اللبنانيّة - الفرنسيّة جرت عند «حافّة الهاوية» التي حذّر منها لودريان، الذي شدّد على البدء بالإصلاحات، في حين أنّ كبار المسؤولين كانوا يشدّدون أن لا إصلاح بلا محاربة الفساد أولاً.

تجدر الإشارة إلى أنّ لودريان لم يحمل معه إلى بيروت لا وعوداً ولا خططاً ولا مساعدات، بل عبّر فقط عن دعم معنوي، جاء مشروطاً بتنفيذ الإصلاحات ومكافحة الفساد.

وفي انتظار تلقّف القوى السياسيّة المعرقِلة للإصلاح الكلام الفرنسي الصريح، وبغضّ النظر عن أيّ اعتبار سياسي خارجي، قد تتباين الآراء حوله، تجدر الإشارة إلى ارتفاع منسوب الدعوات إلى التريّث بعض الشيء قبل إطلاق الأحكام النهائية في شأن الموقف الفرنسي، لاسيّما أنّ المرحلة المقبلة الفاصلة عن الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة محكومة بالانتظار، إقليميّاً ودوليّاً، إنْ لم تثمر المساعي المبذولة من الزاوية الجنوبيّة.

رهان خاسر

وغداة مغادرة الزائر الفرنسي بيروت، تاركاً وراءه صدى حسرته على بلد ينهار ومسؤوليه الذين لا يقدّمون ولا يؤخّرون على طريق الإنقاذ، ووسط معلومات تردّدت عن أنّ فرنسا لن تُقدِم على أيّ التزام مالي ما لم يتمّ تطبيق إصلاحات، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ السلطة في لبنان «مصدومة» ممّا تعده التحوّل المفاجئ والمريب في الموقف الفرنسي، خلافاً للحماسة وللتفهّم لوضع الحكومة وتوجّهاتها اللذين كان عليهما قبل ثلاثة أشهر.

وفي نتائج زيارة لودريان، التي انطوت على رسالة له برسْم السلطة اللبنانيّة مجتمعة، فحواها أنّها سلطة عاجزة وفاسدة، وهو ما عبّر عنه بقوله: «جئت لممارسة ديبلوماسيّة الصدمة وليس الديبلوماسيّة التقليديّة، فالصدمة ضروريّة مع مثل هذه السلطة»، أجمعت مصادر سياسيّة متعدّدة، عبر «البيان»، على أنّ السلطة «رسبت» في الامتحان الفرنسي، لكون المآخذ التي عدّدها الوزير الفرنسي على السلطة انطوت على إدانة لكلّ أدائها، وهو بدا كأنّه يدلي بشهادة قاطعة على أنّ السلطة الحاكمة، بالنهج الذي تسلكه، ليست مؤهّلة لقيادة السفينة اللبنانيّة إلى برّ الأمان.