أكّد خبراء وباحثون دوليون، في ندوة نظَّمها مركز الإمارات للسياسات، حول الصراع على ليبيا، أنه على الرغم مما جرى مؤخراً من متغيرات على الأرض، فإنه ليس بوسع أي من الطرفين المتحاربين في ليبيا السيطرة على البلاد وفرض سلطته عليها بشكل كامل، وأنّه لا بديل عن حل سياسي يضمن صيغة من تشارك السلطة برعاية دولية.
وفي الندوة التي خُصِّصت لمناقشة واقع التنافس بين القوى الخارجية على المصالح الجيوسياسية والاقتصادية في ليبيا، واستشراف آفاق الصراع الإقليمي الجاري على الأرض الليبية، أشارت رئيسة مركز الإمارات للسياسات د. ابتسام الكتبي، إلى أن الفترة الماضية شهدت بروز تفاعلات الصراع الجيوسياسي على الأرض الليبية بين القوى الداعمة لكل طرف من طرفَي الصراع.
وتحديداً بين تركيا وكل من مصر وفرنسا وروسيا، إضافة إلى التفاعلات غير المباشرة لقوى دولية وإقليمية أخرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والجزائر وتونس.
وقالت الكتبي، إنه بدا من التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة في الصراع الليبي ثلاثة معطيات: الأول، أن هذا الصراع يتطور من حرب ليبية - ليبية إلى حرب إقليمية، والثاني، أن المقاربة الصفرية لا تحكم الفرقاء الليبيين فقط بل تنطبق أيضاً على الفرقاء الخارجيين، والمعطى الثالث أن قرار السلم والحرب أصبح فيما يبدو بيد القوى الخارجية أكثر منه بيد الليبيين أنفسهم.
من جهته، أوضح مايكل أوهالون، مدير الأبحاث والباحث الأقدم في الشؤون الأمنية والاستراتيجية في معهد بروكنجز بواشنطن، بأنّ الاعتقاد بوجود تغيُّر حاسم لصالح طرف في الصراع الليبي على حساب الآخر فيه مبالغة كبيرة، قائلاً إنه من الخطأ أن يتملَّك هذا الاعتقاد تركيا وحكومة الوفاق وأن يتصرفا بثقةٍ مبالغٍ فيها تمنعهما من الخيار الأسلم المتمثِّل في الانخراط في الحوار وبحث سبل وقف الحرب ومشاركة السلطة.
وبينما استبعد أوهالون أن تشهد الأشهر المقبلة تركيزاً من قبل الإدارة الأمريكية في واشنطن على الوضع في ليبيا، قائلاً إنه لا توجد لدى الولايات المتحدة استراتيجية تجاه هذا البلد، فقد أعرب عن اعتقاده بإمكانية أن تُمثِّل ليبيا فرصة للتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا، وذلك بالرغم من أن زعيمي البلدين، دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، قد أهدرا على مدار الأعوام الماضية الكثير من الفرص التي كانت سانحة للتعاون في العديد من الملفات، على حد تعبيره.
وفي مداخلته خلال الندوة، أرْجع بيتر ميليت، السفير البريطاني السابق لدى ليبيا، فشَل اتفاقيات إنهاء الحرب في ليبيا، لاسيّما اتفاق الصخيرات، إلى عدم تمثيلها مختلف الأطراف والقوى والمكونات السياسية والاجتماعية، وافتقارها إلى ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية واسعة النطاق، وعدم اتساق مواقف بعض القوى الإقليمية والدولية مع متطلبات ما تُعلِنه من التزام بدعم حل الأزمة الليبية بالطرق السلمية.
وانتقد السفير البريطاني بشدة الموقف الأوروبي من الأزمة الليبية، مشيراً إلى أنه بينما لعبت ألمانيا دوراً جيداً من موقع محايد واستطاعت جمع الفرقاء في مؤتمر برلين، فإن دولة مثل بريطانيا لم تدعم هذا الموقف. وخلص السفير إلى أنه في الوقت الذي أوروبا فيه بحاجة إلى ليبيا آمنة ومستقرة إلا أنها لا تلعب دوراً في هذا الاتجاه.
بدوره، أشار د. أندريه كورتونوف، مدير عام مجلس الشؤون الدولية الروسي والخبير الأبرز في شؤون السياسة الخارجية الروسية والعلاقات الدولية المعاصرة، إلى خطأ المقارنة بين الدور الروسي في سوريا الذي يحمل طابعاً جيوسياسياً والدور الروسي في ليبيا الذي له أبعاد اقتصادية، موضحاً أنّ سوريا أكثر أهمية بالنسبة لموسكو من ليبيا. وعبَّر كورتونوف عن اعتقاده بأن هناك إمكانية لتهدئة الموقف، ومع تأكيده على أن الدور الروسي في ليبيا يظل محدوداً مقارنةً بدورها في سوريا، وأن موسكو لا تستطيع أن تتجاهل موقفي روما وباريس في ليبيا، إلا أن روسيا ما زالت مترددة بدرجة ما فيما يتعلق بتوضيح حقيقة موقفها في ليبيا، قائلاً إنه ربما عقب الانتخابات الأمريكية المقبلة سيصبح لدى موسكو موقف أكثر وضوحاً.
وفي تحليله للموقف التركي في ليبيا، قال د. عمر طاش بينار، الباحث الأقدم في معهد بروكنجز، وأستاذ استراتيجيات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بواشنطن، إنه على الرغم من أنّ عدة عوامل تقف وراء الاندفاعة التركية في ليبيا، بعضها يتعلق بالنفوذ الجيوسياسي والأبعاد الاقتصادية، والبعض الآخر له أبعاد أيديولوجية، إلا أن البعد الداخلي المتعلق برغبة الرئيس أردوغان في تعزيز وضعه في تركيا وتشتيت الأنظار عن المشكلات الداخلية المحدقة به يلعب دوراً مهماً.
وأوضح طاش بينار، أنّ تركيا تعتقد أنه من خلال سيطرتها في ليبيا يمكن أن تضع روسيا في موقف يسهل إدارته في سوريا، وأنها في الوقت نفسه تريد أن تكون ليبيا ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي، قائلاً إن حدوث مواجهة بين مصر وتركيا في ليبيا هو ما سيلفت نظر واشنطن ويضطرها للتدخل هناك.
